إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 201
الأصل العاشر : العلم بأن اللّه عز وجل واحد لا شريك له فرد لا ندّ له ، انفرد بالخلق والابداع واستبد بالايجاد والاختراع لا مثل له يساهمه ويساويه ولا ضد له فينازعه ويناوئه . لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] وقوله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 ] حيث سمى ما سيكون أو سيفعله غدا شيئا ليس بشيء لأن هذا من قبيل اطلاق اسم الشيء باسم ما يؤول إليه على أن هذا يقتضي اطلاق الشيء على المعدوم ولا يقتضي كون المعدوم ذاتا وماهية وحقيقة وعرضا وحركة ، وأنتم قائلون بذلك كله وكان ما ذكرتم من النقوض مختلا واللّه أعلم . [ الأصل العاشر : العلم بأن اللّه عز وجل واحد ] ( الأصل العاشر : العلم بأن اللّه عز وجل واحد ) إن قلت : لم أخّر المنصف التوحيد مع أنه المقصود الأهم الذي دعا إليه الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ؟ قلت : لما كان التوحيد وهو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال وكان ما تقدم من الوجود والقدم وسائر ما عقد عليه الأصول السابقة أوصافا للباري سبحانه كل منها من متعلقات التوحيد اقتضى ذلك تقديمها ليعلم ما توحدت به ذاته تعالى من سائر الذوات من الأزلية والأبدية والتعالي عن الجسمية والجوهرية والعرضية . فإن قلت : فلم لم يقدم التوحيد على الكلام في الاستواء والرؤية ؟ قلت : لأن الكلام في ذلك تتمة للكلام على نفي الجسمية ونحوها . واعلم أن الوحدة تكلف بمعنى انتفاء قبول الانقسام وبمعنى انتفاء الشبيه ، والباري تعالى واحد بكل من المعنيين أيضا ، أما الأوّل فلتعاليه عن الوصف بالكمية والتركب من الأجزاء والحد والمقدار ، وأما الثاني فحاصله انتفاء المشابه له تعالى بسائر الوجوه حتى يستحيل أن يوجد واجبان فأكثر ، وهذه الاستحالة هي التي عقد هذا الأصل لاثباتها بالدليل . وقوله : ( لا شريك له ) الشريك فعيل من الشركة وهو كون الشيء بحيث يتحد مع غيره في شيء موضوعا كان أو محمولا صفة أو موصوفا متعلقا أو أثرا ، ثم أكده بقوله : ( فرد ) أي منفرد بصفات الجلال وصفات الإكرام ( لا ندّ له ) أي لا شبيه له ، ثم أن الوحدانية هي الصفة الخامسة من الصفات السلبية ، كما أشرنا إليه أوّلا وهي عبارة عن سلب التعدد في الذات والصفات والأفعال ، فوحدانية الذات تنفي التعدد المتصل بأن يكون ذاتا مركبة من جواهر وأعراض ، والتعدد المنفصل بأن تكون ذات تماثل ذاته ووحدانية الصفات تنفي التعدد المتصل بأن تكون له قدرتان وإرادتان وعلمان فأكثر إلى آخرها ، والتعدد المنفصل بأن تكون صفة في ذات تماثل صفاته الأزلية ووحدانية الأفعال تنفي أن يكون فعل أو اختراع أو إيجاد لغيره تعالى من الممكنات وإليه أشار بقوله : ( انفرد بالخلق والإبداع واستبد ) أي استقل ( بالايجاد والاختراع ) . وقد تقدم أن الاختراع خاص باللّه عز وجل ، والفعل يطلق على القديم والحادث إلا أنه في حق اللّه تعالى حقيقة لأنه هو الذي اخترعه ، وأما في حق الحادث فمجاز وإنما هو عبارة عن مباشرتهم للأشياء وتحريكهم لها ، والإيجاد والخلق أيضا خاصان باللّه تعالى ، ( لا مثل له يشابهه ويساويه ) المثل هو ما يسد مسد الشيء وقد يقال للذي يشاركه في الصفات النفسية ، وقد يقال هو الذي يشارك الشيء فيما يجب ويجوز ويستحيل ، ( ولا ضد له )