تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
أنه لو كانا اثنين وأراد أحدهما أمرا ، فالثاني إن كان مضطرا إلى مساعدته كان هذا الثاني مقهورا عاجزا ولم يكن إلها قادرا ، وإن كان قادرا على مخالفته ومدافعته كان الثاني قويا قاهرا والأول ضعيفا قاصرا ، ولم يكن إلها قادرا .
شرح
فيه ، ( وبيانه ) أي البرهان وهو الآية أي بيان وجه دلالتها ( أنه لو كانا اثنين ) أي لو فرض وجود اثنين كل منهما متصف بصفات الألوهية التي منها الإرادة وتمام القدرة ، ( وأراد أحدهما أمرا فالثاني إن كان مضطرا إلى مساعدته كان هذا الثاني مقصورا ) قد قصرت قدرته ( مقهورا عاجزا ولم يكن إلها قادرا وإن كان قادرا على مخالفته ومدافعته كان الثاني قويا قاهرا ، وكان الأوّل ضعيفا قاصرا ولم يكن إلها قادرا ) . وفي بعض النسخ : قاهرا . ويسمى هذا البرهان عند القوم برهان التمانع ، ويقال له أيضا : برهان التطارد . وقد اختلفت عبارات القوم في تقرير هذا البرهان بعبارات مختلفة ، فقال شيخ مشايخنا في إملائه على البخاري ما نصه : إنه قد قام البرهان القاطع على وجوب عموم قدرته وإرادته لجميع الممكنات ، فلو قدر موجود له من القدرة على ايجاد ممكن مّا مثل ما له تعالى لزم عند تعلق تينك القدرتين أن لا يوجد شيء من العالم بهما لما يلزم عليه من تحصيل الحاصل ، أو كون الأثر الواحد أثرين لأن المسألة مفروضة فيما لا ينقسم كالجوهر الفرد ، فلا بد من عجزهما إن لم يوجد بهما ومن عجز أحدهما إن وجد بأحدهما دون الآخر ويلزم من عجز أحدهما عجز الآخر لأنه مثله ، وإذا لزم عجزهما في هذا الممكن لزم عجزهما في سائر الممكنات إذ لا فرق ، وذلك يستلزم استحالة وجود الحوادث وهو محال لأنه خلاف الحس والعيان ، وإذا استبان وجوب عجزهما مع الاتفاق فمع الاختلاف أبين ، وإليه الإشارة بالآية . وقال ابن القشيري في التذكرة الشرقية : الدليل على وحدانيته تعالى أنه لو كان للعالم صانعان فصاعدا لم يخل إما أن يكونا قادرين ، فلو كانا قادرين على الكمال لجاز في العقول تمانعهما بأن يريد أحدهما بقاء الجسم في حالة معينة ويريد الآخر فناءه في تلك الحالة ، فإذا قدرا على تنفيذ إرادتيهما أدى ذلك إلى المحال ، وهو أن يكون الجسم الواحد موجودا معدوما في حالة واحدة ، وما أدى إلى المحال فهو محال ، وإن كانا عاجزين أو كان أحدهما عاجزا فالعاجز لا يصلح للإلهية ، لأنا بيّنا أن الصانع قديم وعجز قديم محال ، لأن العجز لا يكون إلا عن فعل يعجز عنه وما لم يتصوّر الفعل لم يتصوّر العجز وتقدير الفعل في الأزل محال ، وإن لم يكونا قادرين على الكمال فلنفرض الدليل في أن يريد أحدهما وجود جوهر ويريد الآخر أن لا يوجد هذا إذا لم يقدر أحدهما على شيء من الاعراض ، فلنفرض الدليل في أن يريد الآخر ضده ويذكر الدليل بأسره اه . وقال إمام الحرمين في لمع الأدلة : الدليل على وحدانية الإله أنا لو قدرنا إلهين وفرضنا عرضين فإن جوّزنا إرادة أحدهما لأحد الضدين وإرادة الثاني للثاني استحال نفوذ إرادتيهما واستحال أن لا تنفذ إرادتاهما جميعا لامتناع وجود الضدين والخلو منهما ، وإن نفذت إرادة