تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
. . . . . . . . . .
شرح
والشرط لا يؤثر في المشروط فيصح أن يكون وجودا وعدما ، ثم قدر احتجاج أبي الحسن على جواز الرؤية بالسمع بقول الكليم عليه السّلام بما تقدم ذكره وزاد قالوا : إنما سأل لقومه لا لنفسه ، لأنه عالم بامتناعه عليه . قلنا : لو كان كذلك لكان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة ، وأنه لا يجوز . ألا ترى انهم لما قالوا له :اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ[ الأعراف : 138 ] عجّل الجواب فقال : إنكم قوم تجهلون . قالوا : سأل خلق علم ضروري لما علمه بالنظر . قلنا : العلوم بعد حصولها كلها ضرورية ، فلا معنى لطلب تحصيل الحاصل ، ثم قرر هذا الدليل من وجه ثان ونسبه للفخر بأنه علق رؤيته على استقرار الجبل على ما سبق بيانه وزاد ، ولا يرد عليه أنه لا يلزم من كونه ممكنا في نفس الأمر أن يكون ممكنا مع تقدير التجلي ، فإن الممكن في نفسه قد يمتنع لغيره . كيف وسياق الآية يدل على خلاف ما ذكره ، فإن المفهوم منه التنبيه على غاية البعد وهو كقوله :حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ[ الأعراف : 40 ] ثم قال : وأقرب من هذا كله أن اللّه تعالى أخبر أن الرؤية ستكون للمؤمنين في الدار الآخرة ، وقوله حق ووعده صدق ، ولا يقع إلا جائزا ، فكل ما يدل من السمع على أنه سيقع يدل على جوازه ، ثم قال : وزعموا في جواب موسى الكليم عليه السّلام ( لن تراني ) أنّ « لن » تقتضي النفي على التأبيد . قلنا : « لن » لا تدل إلا على مجرد النفي في الاستقبال ولا اشعار لها بالتأبيد بدليل قوله تعالى في عدم تمني اليهود الموتوَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْوهم يتمنونه في النار ، ولو سلم إشعارها بالتأبيد فهو بحسب ما سأله الكليم وهو إنما يسأل رؤية في الدنيا فلا ينفي ذلك وقوع الرؤية في الآخرة . فصل قال النسفي في شرح العمدة : زعمت طائفة من مثبتي الرؤية باستحالة رؤيته تعالى في المنام لأن ما يرى في المنام خيال ومثال واللّه يتعالى عن ذلك ، ولأن النوم حدث فلا يليق حالة الحدث بهذه الكرامة ، وجوّزها بعض أصحابنا بلا كيفية وجهة ومقابلة وخيال ومثال كما عرفناه في اليقظة تمسكا بما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : رأيت ربي في المنام البارحة وتشبثا بالمحكي عن السلف فإنه روي عن أبي يزيد أنه قال : رأيت ربي في المنام فقلت : كيف الطريق إليك ؟ فقال : اترك نفسك وتعال . ورأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال يا أحمد : كل الناس يطلبون مني إلّا أبا يزيد فإنه يطلبني ، وروي عن أحمد الزيات وأبي الفوارس شاه بن شجاع الكرماني ، ومحمد بن علي الترمذي ، والعلامة شمس الأئمة الكردري رحمهم اللّه انهم رأوه ، وقد حكى لي متعلم زاهد كان يختلف إليّ ببخارى أنه رآه ، وقد رأيت فيها شابا متعبدا لا يختلط بالناس وكان يرى في الليالي فسألت عن حاله فقالوا : إنه رأى ربه ، ولأنه ما جاز رؤيته في ذات لا يختلف بين النوم واليقظة وذلك لأن الرائي في النوم هو الروح لا العين وذلك نوع مشاهدة يحصل في النوم ، وإذا جاز هذا في اليقظة لقوله عليه الصلاة والسّلام : « أعبد اللّه كأنك تراه » فلأن يجوز في النوم والروح في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 198 | مرتضى الزبيدي