تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
. . . . . . . . . .
شرح
حالة النوم أصفى أولى ، والرائي في النوم الروح وهو لا يوصف بالحدث . وقولهم ما يرى في النوم خيال ومثال لا نسلم بأنه منحصر في ذلك . وهذا الكلام منكم نظير قول المعتزلة أن ما يرى في الشاهد جسم أو عرض أو جوهر ، والباري منزه عن ذلك فلا يرى فكل ما أجبنا لهم ثم فهو جواب لكم . فصل قال النسفي : المعدوم ليس بمرئي كما أنه ليس بشيء ، وهاتان مسألتان . أما الأولى : فقد جرت المناظرة فيها بين الإمام الزاهد نور الدين الصابوني ، والشيخ رشيد الدين ، فقال الإمام : الطريق فيه النقل والعقل ، أما النقل فقد أفتى أئمة سمرقند وبخارى على أنه غير مرئي ، وقد ذكر الإمام الزاهد الصفار في آخر كتاب التلخيص على أن المعدوم مستحيل الرؤية ، وكذا المفسرون ذكروا في التفاسير أن المعدوم لا يصلح أن يكون مرئي اللّه تعالى ، وكذا قول السلف من الأشعرية والماتريدية أن الوجود علة جواز الرؤية ناطق بهذا إذ العلة العقلية شرطها أن تكون مطردة منعكسة . وأما العقل ، فلأن الشعر الأسود بياضه معدوم في الحال لا يخلو إما أن يراه في هذا الشعر أو في شعر آخر أو لا في محل ، فإن رآه في هذا الشعر فقد رآه أسود وأبيض في حالة واحدة وهو محال ، وإن رآه لا في محل فهو محال والمحال ليس بمرئي إجماعا ، وكذا في الشخص الحي إن رأى موته فيه فقد رآه حيا وميتا في زمان واحد ، وإن رآه في شخص آخر فيكون الموت صفة ذلك الشخص وإن لا في محل فكما مرّ . قال الشيخ : فإن كانت موجودة في الأزل على هذه الهيئات ، وكان اللّه رائيا لها في الأزل كما هو راء لها في الحال . قال الإمام : هذا قول بقدم العالم لأنك صرحت بأنها موجودة في الأزل ، وإن قيدت بقولك في علم اللّه وفيه تناقض لأن المحدث لا يكون موجودا في الأزل فإنها لو كانت موجودة في الأزل لكان إيجاد الباري إياها ايجاد الموجود ، ولأن المحدثات لو كانت موجودة في علم اللّه تعالى لكان اللّه تعالى رائيا للموجود لا للمعدوم ، وهذا بمعزل عن الخلاف والخلاف إنما وقع في رؤية المعدوم . قال الشيخ : الرؤية صفة اللّه تعالى وهي كاملة غير قاصرة كسائر صفاته ، ولو لم يكن المعدوم مرئيا له لتطرق القصور في صفته وهو منزه عنه . قال الإمام : نعم لا قصور في صفته ، ولكن الواحد تحت صفاته ما لا تستحيل إضافته إليه لا ما لا تستحيل ، فالقدرة صفة اللّه تعالى ثم ما يستحيل أن يكون مقدورا لا يستقيم إضافة القدرة إليه كذات اللّه تعالى وصفاته والمستحيلات ، كالولد والصاحبة والجمع بين الضدين ، فكذا هنا رؤية كاملة ، ولكن المعدوم لما لم يصلح أن يكون مرئيا لا تستقيم إضافة رؤيته إليه . قال الشيخ : لما كان الباري قديما بصفاته كانت رؤيته قديمة ، فلو لم تكن المحدثات مرئية له في الأزل والخلق صفة قديمة له والمخلوق لم يكن في الأزل ، وحين أوجده صار مخلوقا له بعد أن لم يكن مخلوقا في حال العدم ، ولم يقع التغير في