تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
. . . . . . . . . .
شرح
موجود وكل موجود يصح أن يرى ، فالباري يصح أن يرى ، أما أن الباري موجود فقد سبق الدليل عليه ، وأما أن كل موجود يصح أن يرى فلأن الرؤية تعلقت في الشاهد بالمختلفات بدليل رؤية الجواهر والاعراض وهي مختلفة ، فلا تخلو صحة الرؤية إما أن يكون لما به الافتراق أو لما به الاشتراك ، فإن كانت لما به الافتراق لزم تعليل الأحكام المتساوية في النوع بعلل مختلفة وتعليل الواحد بالنوع بالعلل المختلفة محال ، فتعين أن يكون لما به الاشتراك وما به الاشتراك هو الوجود أو الحدوث ، والحدوث لا يصح أن يكون علة لصحة الرؤية فإنها حكم ثبوتي والحدوث عبارة عن وجود حاضر وعدم سابق والسابق لا يكون علة للحاضر والعدم لا يجوز أن يكون جزءا من المقتضى ، وإذا سقط الحدوث عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الوجود ومعقول أن الوجود لا يختلف شاهدا وغائبا والباري تعالى موجود ، فصح أن يرى وقد أورد الفخر الرازي على هذا المسلك اعتراضات عديدة وأكد ورودها بقوله : وإني غير قادر على الجواب عنها ونحن نلخصها ونجيب عنها بحسب الإمكان إن شاء اللّه تعالى . الأول : لا نسلم أن صحة الرؤية أمر ثبوتي والذي يحقق أن صحة الرؤية أمر عدمي أن الصحة معقول عدمي ، فتكون صحة الرؤية أمرا عدميا إنما قلنا أن الصحة أمر عدمي لأن صحة وجود العالم سابقة على وجوده ، فلو كانت الصحة أمرا ثبوتيا لاستدعت محلا ثانيا لاستحالة قيام الأمر الثبوتي بالنفي المحض ، ولو كان محلها ثابتا للزم قدم الهيولي على ما تزعم الفلاسفة أو شبيه المعدوم كما صار إليه بعض المعتزلة ، فالصحة إذا ليست حكما ثبوتيا وإذا كانت الصحة ليست حكما ثبوتيا لزم أن لا يكون صحة الرؤية أمرا ثبوتيا لأنها من افراد الصحة . الثاني : سلمنا أن الصحة أمر ثبوتي لكن لا نسلم صحة التعليل أصلا ورأسا . كيف والشيخ أبو الحسن ممن ينفي الأحوال من المتكلمين لا يقول بالتعليل العقلي فإنه لا واسطة عنده بين الوجود والعدم والعدم لا يعلل والوجوب إما واجب لذاته وهو مستغن بوجوبه عن المقتضى أو ممكن والممكنات كلها تستند إلى اللّه تعالى خلقا واختراعا فلا علة عنده ولا معقول في العقل . الثالث : سلمنا صحة أصل التعليل فلم قلتم أن صحة الرؤية من الأحكام المعللة ، فإن صحة كون الشيء معلوما حكم وهو غير معلل . الرابع : سلمنا صحة تعليل الرؤية ، لكن لا نسلم أن صحة الرؤية حكم مشترك ، فإن صحة كون السواد مرئيا مخالفة لصحة رؤية الجوهر ، ولو كانتا متساويتين لصح أن تقوم إحداهما مقام الأخرى ، ولو قامت إحداهما مقام الأخرى لصح أن يرى السواد جوهرا والجوهر سوادا . الخامس : سلمنا أن صحة الرؤية حكم عام مشترك ، لكن لا نسلم امتناع تعليل الأحكام المتساوية لعلل مختلفة ، فإن اللونية قدر مشترك ووجودها معلل بخصوصيات الألوان وهي مختلفة . السادس : سلمنا أن الحكم المشترك لا بد له من علة مختلفة ، لكن لا نسلم أن الوجود مقول