تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
. . . . . . . . . .
شرح
الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه اللّه إنا نتمسك بالدلائل السمعية ونتمسك بالدلائل العقلية في دفع شبهتهم ، وقولهم لو كان مرئيا لكان شبيها بالمرئيات باطل لأن الرؤية تتعلق بالمتضادات كالسواد والبياض والحركة والسكون ولا مشابهة بينهما واللّه أعلم . وقال البكي في شرح الحاجبية : أما الدليل العقلي على جواز الرؤية فتقريره أنه تعالى الباري موجود وكل موجود يصح أن يرى ، فالباري يصح أن يرى ، أما الصغرى فضرورية ، وأما الكبرى فلأنا نرى الجواهر والاعراض قطعا ، والرؤية مشتركة بينهما وكل مشترك يجب تعليله بما هو مشترك بين تلك الأشياء ، ولا مشترك بين الجواهر والاعراض عملا بالاستقرار إلا أحد أمور ثلاثة : وهو الوجود والحدوث والإمكان ، لا جائز أن يكون الحدوث أو الإمكان إذ هما عدميان ، والعلة يجب أن تكون وجودية فيتعين أن يكون الوجود والوجود مشترك بالاشتراك المعنوي بين الموجودات كما برهن عليه في محله ، فكل موجود يصح أن يرى عملا بالوجود المشترك وهو المطلوب وفيه نظر في جميع مقدماته . ثم قال : ولكن هنا اعتراض قوي وهو أن يقال : وجود الصانع هو الوجود المجرد الذي هو عين ذاته ، وذلك لم يقع به إشتراك وإنما وقع الاشتراك في الوجود العارض المقول على وجوده ووجود الممكنات بالتشكيك ، والشيء المقول بالتشكيك لا يلزم إتحاد معروضاته في جميع أحكامه وما يقال أن علة صحة الرؤية هو متعلقها ومتعلقها هو الوجود المطلق أي كون الشيء ذا هوية ما لا خصوصية الوجودات والهويات فضعيف إذ الهوية المطلقة المقولة بإزاء الهويات ليس إلا من الاعتبارات وأن مقوليتها عليها بالعرض لا بالذات ، وما يقال بالعرض لا يلزم إتحاد معروضاته في أحكامه ، ولا يخفى على ذي فطنة أن المدرك إنما هو خصوصية الوجودات لا الهوية المشتركة ، ثم الدليل منقوض بالملموسات فإنا نلمس الجواهر والاعراض واللمس محال أن يتعلق به . قال الشيخ سعد الدين وهو قوي ، وقال الآمدي : اختلف الأصحاب فمنهم من عم وقال : الباري يدرك بالإدراكات الخمس للدليل المذكور لكن لا ينجو المعتاد بها بل كما يرى وهو قول الشيخ ، ومنهم من قال : إن سائر الإدراكات لا تعم كل موجود فإن إدراك السمع خاص بالمسموعات وإدراك اللمس خاص بالملموسات والباري ليس بصوت ولا الصوت صفة له ولا كيفية ملموسة ولا هي صفة له ، وكذا يقال في سائر المدركات الخمس ما عدا البصر ، وعلى القول بأن هذه الإدراكات تتعلق به على قول الشيخ فليس المراد خصوصيتها ، وإنما هو أن نطلق الإدراك من غير كيفية على مقتضى هذا الدليل أيضا جوز الشيخ تعلق الرؤية بصفاته جل وعلا وهذا لا يقتضي الوقوع إذ العقل لا مجال له فيه ولا يقتضي وقوعها ، وغاية الدليل أن سلم الجواز ، ولأجل ضعف هذا الدليل اختار المتأخرون دليل السمع ثم ساق تقريره والإستدلال من وجهين حسبما بيناه آنفا ، ثم قال : وما تتعرض به الخصوم فجهالة لا تسمع وأكثرها لا يصدر عن مسلم معترف بحق الأنبياء ، وأما الوقوع فثابت بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، أما الإجماع فقد اتفقت الأمة قبل حدوث المخالفين على وقوع الرؤية وأن الآيات والأحاديث الواردة في ذلك على ظاهرها ، ولقد روى