. . . . . . . . . .
شرح
حديث الرؤية أحد وعشرون رجلا من كبار الصحابة ، ثم ساق الآيات وبعض الأحاديث حسبما ذكرناه أولا ، ثم قال : وأما المحدث فحاله في هذه المسألة لا يزيد على حال الأشعري إلا بتصحيح الأحاديث الدالة على هذا المعتقد على ما يليق بجلاله تعالى ، ولا عبرة بالمشبهة إذ دخولهم في أهل السنة والجماعة محل نظر إذ ليسوا منهم ، وأما الصوفي فيقول بجميع ما تقدم ويزيد بإشارته الوجدية فيقول : العبودية نسبة العبد إلى ربه ، والربوبية نسبة الرب إلى العبد . ومن المعلوم عقلا أن معقول كل واحد من النسبتين متوقفة على الأخرى تعقلا ووجودا فإدراك العبودية يكون معه إدراك الربوبية لا محالة ، وإدراك العبودية على مراتب تخيل وهمي ، وعلم يقيني ، وذوق كشفي ، وشهود حسي . وهذا كله خاص بالمتوجهين فالأولى لأهل الفرق من المريدين ، والثانية لأهل الجمع من السالكين ، والثالثة لأهل جمع الجمع من الواصلين والرابعة لأهل وحدة الجمع والوجود من المقربين ، وقد سئل سهل رحمه اللّه عن المشاهدة فقال : العبودية . وقال أيضا أربعون سنة أخاطب الحق والناس يظنون إني أخاطبهم ، وقد نبه المعلم الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « إنكم سترون ربكم » وقال تعالىسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ[ الإسراء : 1 ] فخص مواطن المشاهدة والرؤية بذكر اسم العبد والرب تنبيها على ما أشرنا إليه فاعرف ذلك وتحقق بعبوديتك فإن الخير فيها ومنها فافهم اه .
وقال ابن فورك في المدخل الأوسط : أعلم أن رؤية اللّه تعالى جائزة من جهة النظر واجبة من جهة خبر الصادق ، فدلالة جوازه من جهة النظر أن الوصف له بأنه راء من صفات نفسه ، كما أن وصفه بأنه عالم من صفات نفسه واستحال أن يعلم غيره من لا يعلم نفسه كذلك يستحيل أن يرى غيره من لا يرى نفسه فثبت أنه مرئي لنفسه ، وإذا جاز أن يرى نفسه جاز أن نراه نحن كما أنه لما جاز أن يعلم غيره جاز أن يعلم نفسه لأن وصفه بالرؤية من صفات نفسه وليس شرط ما يرى غيره أنه يستحيل أن يرى نفسه ، كما أن شرط من يقدر أن يستحيل أن يقدر على نفسه ولأن كل وصف لا يوجب حدثه ولا حدث معنى فيه ولا قلب عن حقيقته فجائز عليه ، والرؤية لا توجب حدث المرئي لأنا نرى ما حدث أمس فلا يكون بالرؤية حادثا ولا حدث معنى فيه لأنا نرى اللون لا يصح أن يحدث فيه معنى ولا قلبه عن حقيقته لأنا نرى المختلفات فلا ينقلب أحدها عن حقيقته إلى حقيقة غيره ، واللمس والشم والذوق يقتضي حدوث معنى فيه فلذلك لم يجز عليه اه .
وقد أوسع الكلام في هذا المعتقد ابن التلمساني في شرح لمع الأدلة ونحن نورد لك من تقريره ما تعلق به المقصود في هذا المحل قال : اعلم أن المراد بالرؤية والأبصار حالة زائدة على العلم وعلى تأثير الحدقة بالمرئي ، وهل الإدراك المقتضي لهذه الحالة خارج عن جنس العلم . أو من جنسه ؟
اختلف الأشعريون فيه . ونقل عن الأشعري قولان مع الاتفاق على موافقته للعلم في أنه يقتضي كشفا ويتعلق بالشيء على ما هو عليه إلا أنه لا يتعلق إلا بالموجود المعين ، والعلم يتعلق بالموجود