. . . . . . . . . .
شرح
والمعدوم والمعين والمطلق . وزعمت المعتزلة أن الرؤية مشروطة بشروط : منها كون المرئي مختصا بجهة مقابلا للرائي أو في حكم المقابل كرؤية الإنسان نفسه بالشعاع المنعكس ، ومنه انبعاث الأشعة من الحدقة واتصالها بالمرئي وتشبيهها به ، ومنها انتفاء البعد المفرط والقرب المفرط ، ومنها زوال الحجب الكثيفة وصفاء الهواء ، فلذلك يرى الجالس حول النار في الليل وإن بعد ولا يرى من في ظله وإن قرب ولما كان الباري سبحانه ليس في جهة زعموا أنه يستحيل رؤيته . وساعدهم الفلاسفة على استحالة جواز رؤية واجب الوجود وإن اختلفت مناهجهم فإنهم يزعمون أن الرؤية ترجع إلى انطباع صورة في الحدقة والصورة مركبة ولا ينطبع إلا في مركب ، فلأجل ذلك قالوا :
لا يرى الباري ولا يرى ، وأما الحشوية والكرامية وإن ساعدوا على جواز رؤية اللّه تعالى فإنما حكموا بجواز رؤيته لاعتقادهم أنه في جهة أما نحن فنقضي بجواز رؤيته مع نفي اختصاصه بالجهات فهم مخالفون لنا في المعنى وإن وافقوا في اللفظ ، ثم قال : وقول إمام الحرمين والدليل على جواز رؤيته عقلا فإشارة منه إلى أنه يمكن أن يستدل على جواز الرؤية سمعا ، وذلك لأن المطالب الإلهية منقسمة إلى ما لا يدرك إلا بالعقل وهو كل ما يتوقف صدق الرسول عليه ، فإن مستند صحة الأدلة السمعية كلها قول الرسول المدلول على صدقه فلو أثبتنا ما يتوقف إثبات المعجزة عليه بالسمع وهي لا تثبت إلا بثبوته لدار . ومنها ما لا يمكن إثباته إلا بالسمع وهو وقوع الجائزات الغيبية كالحشر والنشر والحساب والخلود في إحدى الدارين ووقوع الرؤية للمؤمنين في الدار الآخرة من هذا القسم ، فلا جرم أن الإمام قال : ونستدل على وجوب الرؤية وأنها ستكون وعدا من اللّه صدقا وعنى بوجوب الرؤية ههنا تحتم الوقوع للخبر والوعد الصدق ، وأما ما لا يكون أصلا للمعجزة ولا يرجع إلى وقوع جائز فيصح الإستدلال عليه بالعقل والسمع إن وجد أو جواز الرؤية من هذا القسم ، فلأجل ذلك تمسك الأصحاب فيه بالمعقول والمنقول ، فمما تمسكوا به عقلا أن قالوا : حاصل الإدراك علم مخصوص يخلقه اللّه تعالى في العين وكما صح خلقه في القلب صح خلقه في العين وضعف هذا المسلك بأنا نجد من أنفسنا فرقا ضروريا بين حالة تغميض أجفاننا عن الشيء مع العلم به وبين حالة فتحها وتعلقها بالمرئي ، وذلك يدل على أن الإدراك معنى زائد على العلم مغاير له وأن درجته في الكشف والظهور فوق درجة الشعور بالشيء حال غيبته وإدراكه بعوارضه أو بإدراك ماهيته ، وللمحتج بهذه الطريقة أن يقول الفرق يرجع إلى كثرة العلم بالمتعلقات فإن الرؤية تتعلق بالهيئات الاجتماعية التي لا يحيط بها الذهن والوصف مع الغيبة . وهذه الحجة مفرعة على أن الرؤية من جنس العلوم المسلك الثاني : أن إدراك الرؤية من الصفات التي تتعلق بالشيء ولا تؤثر كالعلم والخبر ، وإذا كانت لا تؤثر في متعلقها فلا مانع من تعلقها بالقديم والحادث ، وضعف هذا المسلك بأن حاصله راجع إلى إبطال مانع واحد من صحة الرؤية وهو التأثير ولا يلزم من نفي مانع واحد ثبوت الشيء ما لم يحقق مصححه وانتفاء جميع موانعه . المسلك الثالث : ما تمسك به الإمام وعليه اعتماد أكثر الأشعرية وهو أن الباري تعالى