. . . . . . . . . .
شرح
مقدرة بين الرائي والمرئي بحيث لا يكون قربا مفرطا واتصال شعاع عين الرائي بالمرئي ، وكل ذلك مستحيل على اللّه تعالى وأكدوا هذا المعقول بقوله تعالىلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ[ الأنعام : 103 ] فقد تمدح بانتفاء الرؤية عن ذاته إذ الإدراك بالبصر هو الرؤية كما تمدح بأسمائه الحسنى في سياق الآية وسباقها ، وكل ما كان عدمه مدحا كان وجوده نقصا وهو على الباري لا يجوز في الدارين ، والدليل على أنه تمدح به وروده بين المدحين إذ إدراج غير المدح بين المدائح مما تمجه الأسماء وتنفر عنه الطباع ، وأكثر المعتزلة على أنه تعالى يرى ذاته ويرى العالم ، ثم أورد الجواب عن الآية بما تقدم بيانه قريبا ، ثم قال : وما قالوا من اشتراط المقابلة وثبوت المسافة واتصال الشعاع وتحقق الجهة باطل ؟ فإن اللّه تعالى يرانا من غير مقابلة ، ولا اتصال شعاع ولا ثبوت مسافة بيننا وبينه ولا جهة ، ومن أنكر ذلك منهم فهو محجوج بقوله تعالى :أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرىوهو السميع البصير والعلل والشرائط لا تتبدل بالشاهد والغائب ، وقد تبدلت فعلم أنها من أوصاف الوجود دون القرائن اللازمة للرؤية فلا يشترط تعديها ، وهذا لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو ، فإن كان في الجهة يرى في الجهة وإن كان لا فيها يرى لا فيها ، كالعلم فإن كل شيء يعلم كما هو فإن كان في الجهة يعلم في الجهة وإن كان لا في الجهة يعلم لا في الجهة ، وبهذا تبين أن العلة المطلقة للرؤية الوجود لأنها تتعلق بالجسم والجوهر والعرض ، فلا نفرق بين السواد والبياض والاجتماع والافتراق بحاسة البصر ، فعلم أن العرض مرئي وكذا غيره لأنا نرى الطويل والعريض ، وذلك ليس بجواهر متألفة في صفة مخصوصة والحكم المشترك يقتضي علة مشتركة لأن تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة ممتنع ، والمشترك بين هذه الأشياء إما الوجود أو الحدوث ، والحدوث لا يصلح للعلية لأنه عبارة عن وجود حاصل بعد عدم سابق ، والعدم لا يصلح أن يكون علة ولا شطر العلة ، فلم يبق إلا الوجود واللّه تعالى موجود فوجب القول بصحة رؤيته ، وما لا يرى من الموجودات فلعدم إجراء اللّه تعالى العادة في رؤيتنا لا لاستحالة والوجود علة مجوزة للرؤية لا موجبة للرؤية ولا يلزم من كون الشيء جائزا لرؤية أن نراه ما لم يخلق اللّه فينا رؤيته . ألا ترى أن الهرة ترى الفأرة بالليل ونحن لا نراها ، وكذا المصروع يبصر الجن ولا يراه الحاضرون ، وكذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يرى جبريل ومن عنده من الصحابة لا يرونه .
فإن قيل : هنا مشترك آخر وهو أن يكون ممكن الوجود لذلك قلنا : الإمكان لا يصلح علة للرؤية لأن الإمكان عدم فلا يصلح للعلية ولأن الإمكان قائم في المعدومات ولا يصلح رؤيتها .
قال الفخر الرازي : هذا التعليل ضعيف لأنه يقال الجوهر والعرض مخلوقان ، فصحة المخلوقية حكم مشترك بينهما فلا بد من علة مشتركة بينهما ولا مشترك إلا الحدوث والوجود ، والحدوث ساقط من حيز الاعتبار لما ذكرتم فيبقى الوجود واللّه تعالى موجود موجب صحة كونه مخلوقا ، وكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه ، ثم قال : مذهبنا في هذه المسألة ما اختار الشيخ