مقابلتهم جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة ، وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك .
شرح
أن يخلق القدر المذكور من العلم في الحي على وفق مشيئته تعالى من غير مقابلة لجهة أخرى . وقولي بمجموع المرئي فيه تنبيه على أنه إذا ثبت أن المجموع المتركب من أجزاء متناهية يرى دون إحاطة ، فالذات المنزهة عن التركيب والتناهي والحدود والجهة أولى بأن تنفك رؤيتها عن الإحاطة . والدليل على جواز أن يخلق اللّه قدرا من العلم من غير مقابلة بحاسة البصر أصلا ما ورد في الصحيحين من حديث أنس رفعه « أتموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري » وعند البخاري وحده عن أنس « أقيموا صفوفكم وتراصوا » وعند النسائي « استووا استووا استووا فوالذي نفسي بيده إني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي » والدليل على قولنا من غير إحاطة رؤيتنا السماء فإنا نراها ولا نحيط بها ، وقد ظهر مما تقدم أن المصنف استدل لجواز الرؤية من غير جهة صريحا ، ومن غير إحاطة ضمنا بوقوع أمور ثلاثة : الأولى والثالث منها لجوازها من غير مقابلة لجهة ومن غير مسافة خاصة ، والثاني لجوازها من غير إحاطة . وقد أشرنا إلى الأول والثاني ، وأشار إلى الثالث بقوله : ( وكما يجوز أن يرى اللّه تعالى الخلق ) أي كون ذلك القدر من العلم المسمى بالرؤية مشبها في كونه دون مقابلة رؤية اللّه تعالى إيانا ، فإنه تعالى يرى خلقه ( وليس في مقابلتهم ) في جهة باتفاق منا ومن المعتزلة ( جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة ) ، فالرؤية نسبة خاصة بين طرفي راء ومرئي فإن فرض أن تلك النسبة تقتضي عقلا كون أحدهما في جهة اقتضت كون طرفها الآخر كذلك في جهة لاشتراكهما في التعلق ، فإذا ثبت بوفاق الخصمين عدم لزوم ذلك في أحد طرفيها لزم في الطرف الآخر مثله ، فكان الثابت عقلا نقيض ما فرض فثبت انتفاء ما فرض ، وإن فرض اللزوم في أحد الطرفين وعدمه فهو تحكم محض ، ويقال في الإستدلال على جواز الرؤية أيضا ( كما جاز أن يعلم ) الباري سبحانه ( من غير كيفية وصورة ) لما قلنا أن الرؤية نوع علم خاص يخلقه اللّه تعالى في الحي غير مشروط بمقابلة ولا غيرها مما ذكر . لا يقال أن الرؤية في الشاهد لا تنفك عن حصول المقابلة في الجهة والمسافة بين الرائي والمرئي ، وحصول إحاطة الرائي ببعض المرئيات ، وحصول إدراك صورة المرئي فليكن في الغالب كذلك وأن ذلك في حقه باطل تنزه الباري تعالى عن ذلك فانتفت الرؤية في حقه لانتفاء لازمها لأن نقول : حصول المسافة والمقابلة والإحاطة والصورة في الرؤية في الشاهد لاتفاق كون بعض المرئيات كذلك . أي : تتصف بالمقابلة على المسافة المخصوصة بالإحاطة به ، وبالصورة لكونه جسما لا لكون الأمور المذكورة معلولا عقليا لهذا النوع من العلم المسمى رؤية مع انتفاء العلوم المذكورة على ما بين بالاستدلال السابق ، والمعلوم لا يثبت مع انتفاء علته وإلا لم يكن علة له فتأمل .
وقال النسفي في شرح العمدة : زعمت المعتزلة والزيدية والفلاسفة والخوارج أن في العقل دلالة استحالة رؤيته لأنه لا بد لها من مقابلة بين الرائي والمرئي ، وذا لا يصح إلا في المتحيز ومسافا