تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
اللّه عليهم ، وأما وجه اجراء آية الرؤية على الظاهر ، فهو أنه غير مؤدّ إلى المحال ، فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم ، فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة ، وكما يجوز أن يرى اللّه تعالى الخلق وليس في
شرح
وفي الآية وجوه أخر دالة على جوازها . منها : انه تعالى ما آيسه وما عاتبه عليه ولو كان ذلك جهلا منه باللّه تعالى خارجا عن الحكمة لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السّلام بقوله :إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ[ هود : 46 ] ، حيث سأل إنجاء ابنه من الغرق ، بل هذا أولى بالعتاب لأن هذا لو كان جهلا منه بربه لبلغ مرتبة الكفر وذلك لم يبلغ هذه الرتبة ، فإن قالوا : مراده أرني آية من آياتك ؟ قلنا : لو كان المراد كذلك لقال أنظر إليها ، ولقال لن ترى آياتي . ومنها : قوله :لَنْ تَرانِيفإنه يقتضي نفي الوجود لا الجواز إذ لو كان ممتنع الرؤية لكان الجواب أن يقول لست بمرئي . أو لا تصح رؤيتي ، ولما لم يقل ذلك دل على أنه مرئي إذ الموضع موضع الحاجة إلى البيان . ألا ترى أن من في كمه حجر فظنه إنسان طعاما وقال له أعطنيه لآكله كان الجواب الصحيح أنه لا يؤكل . أما إذا كان طعاما صح أن يقول المجيب أنك لن تأكله ويجوز على الأنبياء الريب في أمر يتعلق بالغيب ، فيحمل على أن ما اعتقده جائز ولكن ظن أن ما اعتقد جوازه تأخر فيرجع النفي في الجواب إلى السؤال ، وقد سألها في الدنيا فينصرف النفي إليها إذ الجواب يكون على قضية السؤال فتأمل . وأما الإستدلال عقلا فأشار المصنف إلى ذلك بقوله : ( وأما وجه إجراء آية الرؤية ) وهي قوله تعالى :إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[ القيامة : 23 ] ( على الظاهر ) فقد دل العقل على جوازه وذلك ( إنه غير مؤد إلى المحال ) فوجب أن لا يعدل عن الظاهر . إذ العدول إنما يجوز عند عدم إمكانه لا مع إمكانه ، ثم علل قوله غير مؤد إلى المحال بقوله : ( فإن الرؤية نوع كشف وعلم ) للمدرك بالمرئي ، يخلق اللّه هذا النوع عند مقابلة الحاسة للمرئي بحسب ما جرت به العادة الإلهية ( إلا أنه أتم وأوضح من العلم ) أي : أن مسمى الرؤية هو الإدراك المشتمل على الزيادة على الإدراك الذي هو علم جلي كما قدمنا أول هذا الأصل : إذ هو العلم الذي لا ينقص منه قدر من الإدراك ، ( فإذا جاز تعلق العلم به ) من غير أن ينقص منه قدر الإدراك ( وليس في جهة ) أي من غير مقابلة بين الباصرة والمرئي في جهة مع تلك المقابلة مسافة خاصة بين الحاسة والمرئي الكائن في تلك الجهة ومن غير إحاطة بمجموع المرئي ( جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة ) وقولي من غير مقابلة الخ فيه دفع لقول المعتزلة والحكماء القائلين بأن من شرائط الرؤية مقابلة المرئي للباصرة في جهة من الجهات ، وقولي مع تلك المقابلة ، مسافة خاصة رد على قولهم أن من شرائط الرؤية عدم غاية البعد بحيث ينقطع إدراك الباصرة وعدم غاية القرب ، فإن المبصر إذا التصق بسطح البصر بطل إدراكه بالكلية ، ولذلك لا يرى باطن الأجفان . وقولي من غير إحاطة بمجموع المرئي إشارة إلى نفي كون الرؤية تستلزم الإحاطة بالمرئي لتكون ممتنعة في حقه تعالى لأنه لا يحاط به . قال تعالى :وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً[ طه : 110 ] والحاصل أنه يجوز عقلا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 186 | مرتضى الزبيدي