الدنيا تصديقا لقوله عز وجل :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
[ الأنعام :
103 ] ، ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السّلام :
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : من الآية 143 ] وليت شعري كيف عرف المعتزلي من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السّلام ؟ وكيف سأل موسى عليه السّلام الرؤية مع كونها محالا ؟ ولعل الجهل بذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل بالأنبياء صلوات
شرح
على سبيل الكرامة وطريق التبعية في ذلك قولان للأشعري ، وأكثر أهل التصوّف خصوصا المتأخرين على أن ذلك يجوز كرامة وكرامة أولياء اللّه تعالى معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم هذا حال اليقظة ، وأما في النوم فاتفق الأكثر على جوازه ووقوعه ثم هذا المعتقد أما جوازه فيصح التمسك فيه بالسمع والعقل ، وأما الوقوع فليس إلا بالسمع إذ العقل لا يهتدي . وقد أورد المصنف على جوازه دليلا من الكتاب وأوردناه معه دلائل أخرى من الكتاب ، ثم أورد دليلا ثانيا فقال :
( ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السّلام ) حكاية عنه إذ قال :رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ ( لَنْ تَرانِي )وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي[ الأعراف : 143 ] ووجه الاستدلال من وجهين .
أحدهما : أنه لو لم تجز الرؤية لما طلبها موسى عليه السّلام واللازم باطل بالاجماع ، وتواتر الاخبار بيان اللزوم أن موسى عليه السّلام عالم بما يجوز على اللّه تعالى وما يستحيل عليه وإلا يلزم الجهل وهو محال على الأنبياء ، وإذا كان عالما بما لا يجوز والرؤية مما لا يجوز على ذلك التقدير يكون طلبه للرؤية عبثا وذلك على الأنبياء محال ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( وليت شعري كيف عرف المعتزلي ) القائل بعدم جواز الرؤية ( من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السّلام ) مع أنه نبي كريم من أولي العزم من الرسل ؟ أرأيت المعتزلي أعرف باللّه تعالى منه ، مع أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام الدعوة إلى العقائد الدينية الحقة والأعمال الصالحة . ( وكيف سأل موسى عليه السّلام الرؤية مع كونها محالا ، ولعل الجهل بذوي البدع ) المضلة ( والأهواء ) المختلفة ( من الجهلة ) بمعاني كلام اللّه تعالى ( الأغبياء ) البلداء ( أولى من الجهل بالأنبياء صلوات اللّه عليهم ) وسلامه ، وحاصل هذا الاستدلال أن سؤال موسى عليه السّلام إياها دليل على أنه كان يعتقد أنه كان جائز الرؤية .
والوجه الثاني : أنه تعالى علق الرؤية بشرط متصوّر الكون وهو استقرار الجبل ، فدل على أنه جائز الوجود إذ تعليق الفعل بما هو جائز الوجود يدل على جوازه ، كما أن التعليق بما هو ممتنع الوجود أو متحقق الوجود يدل على امتناعه أو تحققه ، والدليل على أن استقرار الجبل ممكن الثبوت قوله تعالى :فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا[ الأعراف : 143 ] أخبر أنه جعله دكا لا أنه اندك بنفسه ، وما أوجده اللّه تعالى كان جائزا أن لا يوجد لو لم يوجده اللّه تعالى ، إذ اللّه تعالى مختار فيما يفعل ، فإذا جعل الجبل دكا باختياره وكان جائزا أن لا يفعل دل على جواز وجوده قاله النسفي .