تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
. . . . . . . . . .
شرح
اللّه . قال : « فإنكم ترونه كذلك » . وفي بعض الروايات : « هل تضامون » وفي بعضها : « فإنكم ترون ربكم كذلك » . والمقصود به تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي . وأخرج القشيري في رسالته حديثا طويلا من رواية جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه . وفيه : « فيكشف لهم الحجاب فينظرون اللّه تعالى فيتمتعون بنور الرحمن سبحانه حتى لا يبصر بعضهم بعضا » . وأحاديث الرؤية متواترة معنى ، فقد وردت بطرق كثيرة عن جمع كثير من الصحابة ، ثم إنهم بعد الجواز اختلفوا هل الوقوع مخصوص بالآخرة وهو قول جماعة وأحد قولي الأشعري ، وظاهر قول مالك وإليه أشار بقوله : ( ولا يرى في الدنيا تصديقا لقوله عز وجل :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ)وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[ الأنعام : 103 ] . قال النسفي في شرح العمدة ، وتبعه القونوي في أكثر سياقه في شرح عقيدة الطحاوي : ولا تعلق للمعتزلة بهذه الآية لأن الأبصار صيغة جمع وهي تفيد العموم ، فسلبه يفيد سلب العموم وذلك لا يفيد عموم السلب ، فإن قوله :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُنقيض لقوله :تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ .وقولنا : تدركه الأبصار نقيض لمن يدركه كل أحد باعتبار الاستغراق الحاصل من الألف واللام ، ولما كان نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية كان معنى الآية : لا يدركه جميع الأبصار ، ونحن نقول بموجبه ، فإنه لا يراه الجميع ، فإن الكافرين لا يرونه بل يراه المؤمنون ، ولأن المنفي هو الادراك دون الرؤية وهما غير أن ، فكان نفي الادراك لا يدل على نفي الرؤية ، وهذا لأن الإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده ، وما يستحيل عليه الادراك من الرؤية نازلا منزلة الإحاطة من العلم ونفي الإحاطة التي هي نقيض الوقوف على الجوانب والحدود لا يقتضي نفي العلم به . وكذا هنا ، ثم مورد الآية وهو وجه التمدح يوجب ثبوت الرؤية إذ نفي إدراك ما يستحيل رؤيته لا تمدح فيه إذ كل ما لا يرى لا يدرك كالمعدومات ، وإنما التمدح بنفي الادراك مع تحقق الرؤية إذ انتفاؤه مع ثبوتها دليل ارتفاع نقيضه التناهي والحدود عن الذات ، فكانت الآية حجة لنا عليهم ، ولو أمعنوا النظر في الآية وعرفوا مواقع الحجاج لاغتنموا التقصي عن عهدة الآية اه . رجع للأوّل ، ومنهم من قال : وقوع الرؤية غير مخصوصة بالآخرة ، بل تقع في الدنيا وهو قول الكثير من السلف والخلف من أهل الحديث والتصوّف والنظر ، وإذا قلنا بأنه غير مخصوص بالآخرة فهل هو مخصوص بالأنبياء أو غير مخصوص ؟ بل يجوز للولي قولان للأشعري ، وعلى أنه مخصوص بالأنبياء فهل هو خاص بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أو غير خاص . وبالجملة فقد اتفق الكل على وقوعها في الآخرة لجميع المؤمنين . وأما في الدنيا فاختلف فيه صلّى اللّه عليه وسلّم على ثلاثة أقوال . الأوّل : أنه رأى ربه وهو قول أكثر السلف وجماعة الصوفية . قال النووي : وهو الصحيح . الثاني : أنه لم ير وهو قول أكثر الأشاعرة وبعض السلف . الثالث : الوقف وهو اختيار القاضي عياض . وبالجملة ؛ فاختلاف الصحابة في هذه المسألة دليل على اعتقادهم جوازها ، ثم هل يجوز ذلك لأولياء أمته