وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ القيامة : 22 - 23 ] ولا يرى في
شرح
والحق أنه لا مانع من هذه الرؤيا وإن لم تكن رؤيا حقيقية ، ولا خلاف عندنا انه تعالى يرى ذاته المقدسة والمعتزلة حكموا بامتناع رؤيته عقلا لذي الحواس ، واختلفوا في رؤيته لذاته .
وأما المقام الثالث : فقد أطبق أهل السنّة على وقوع الرؤية في الآخرة واختلفوا في وقوعها في الدنيا . ومقصود المصنف في هذا المقام الاستدلال على وقوعها في الآخرة ، فقدم الاستدلال عليه بالنقل ثم بالعقل ، ثم استدل بالنقل أيضا على الجواز على أنه يلزم من ثبوت الوقوع في الآخرة بدليله ثبوت الجواز ، ثم استدل بالعقل على الجواز فقال : ( لقوله تعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة( ناضِرَةٌ )أي : ذات نضرة وهي تهلل الوجه وبهاؤه( إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ )[ القيامة : 22 ؛ 23 ] أي : مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه ، فتقديم المعمول على هذا للحصر ادعاء ويصح ويصح كونه لمجرد الاهتمام ورعاية الفاصلة دون الحصر ، ويكون المعنى مكرمة بالنظر إلى ربها .
قال البكي : وتقرير هذا الدليل عند الأئمة أن النظر الموصل بإلى إما بمعنى الرؤية أو هو ملزوم للرؤية بشهادة النقل عن أئمة اللغة ، فهو إما حقيقة أو مجاز عن الرؤية لكونه عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي طلبا لرؤيته ، وقد تعذرت هنا الحقيقة لامتناع المقابلة والجهة فتعينت الرؤية لكونها أقرب المجازات إلى الحقيقة ، ثم اشتهر هذا المجاز بحيث التحق بالاستعمال الحقيقي كما يشهد به العرف اه .
وقال النسفي : النظر المضاف إلى الوجه المقيد بكلمة إلى لا يكون إلا نظر العين ، وبهذا بطل قول من قال من المعتزلة ان معنى الآية نعمة ربها منتظرة لأن إلى واحد الآلاء ، كذا في تهذيب الأزهري إذ النظر إذا أريد به الانتظار فإنه لا يعلق بالوجه ولا يتعدى بإلى كما في قوله تعالى :فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ[ النمل : 35 ] أي منتظرة ، ولأن حمل النظر على الانتظار المفضي للنعم في دار القرار سمج لما قيل الانتظار موت أحمر اه .
ومن الدلائل على جواز الرؤية من الكتاب قوله تعالى :كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[ المطففين : 15 ] ، خص الكفار بالحجاب تحقيرا لهم وإهانة ، فلو لم تكن المؤمنون بخلافهم لعم التحقير وبطل التخصيص . وقال النسفي : تخصيص الحجاب للكفار دليل على عدمه للأبرار اه .
وقال الربيع : سمعت الشافعي يقول في هذه الآية : علمنا بذلك أن قوما غير محجوبين ينظرون إليه لا يضامون في رؤيته ، ومما دلّ على الرؤية من الكتاب أيضا قوله تعالى :لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ[ يونس : 26 ] ، فقد ورد من طرق صحيحة مرفوعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل عن الزيادة فقال : « النظر إلى اللّه تعالى » . وأما في السنة ، فلما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه رفعه : « هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب » قالوا : لا يا رسول