إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 182
الأصل التاسع : العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار مقدسا عن الجهات والأقطار مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار لقوله تعالى : تكميل : قول من قال طريقة السلف أسلم ، وطريقة الخلف أحكم . نقل الحافظ ابن حجر عن بعضهم أنه ليس بمستقيم لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك ، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف والدعوى في طريقة الخلف وليس الأمر كما ظن ، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق باللّه تعالى وفي غاية التعظيم له والخضوع لأمره والتسليم لمراده وليس من سلك طريقة الخلف واثقا بأن الذي يتأوّله هو المراد ، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله اه . قلت : وقد أشار إلى ذلك المصنف في إلجام العوام بما لا مزيد على تحريره . [ الأصل التاسع : م 9 قدسا عن الجهات والأقطار ] ( الأصل التاسع : العلم بأن اللّه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار ) المفهوم من قوله : لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، ( مقدسا عن الجهات والأقطار ) وعن الأمكنة والأزمنة والتحديد وغير ذلك ، ( مرئي للمؤمنين بالأعين والأبصار في الدار الآخرة بعد دخولهم دار القرار ) . نظم المصنف هذا الأصل في سلك أصول الركن المعقود لمعرفة الذات نظرا إلى أن نفي الجهة يوهم أنه مقتض للإنتفاء فاقتضى المقام دفع هذا التوهم ببيان جواز الرؤية عقلا ووقوعها سمعا ، فهو كالتتمة للكلام في نفي الجهة والمكان . قال ابن أبي شريف : الكلام في الرؤية في ثلاث مقامات الأول : في تحقيق معناها تحريرا لمحل النزاع بيننا وبين المعتزلة فنقول : إذا نظرنا إلى الشمس مثلا فرأيناها ثم أغمضنا العين فإنا نعلم الشمس عند التغميض علما جليا ، لكن في الحالة الأولى أمر زائد ، وكذا إذا علمنا شيئا علما تاما جليا ، ثم رأيناه فإنا ندرك بالبديهة تفرقة بين الحالتين ، وهذا الادراك المشتمل على الزيادة نسمّيه الرؤية . قلت : يشير إلى أن المعنى من الرؤية ما نجده من التفرقة من إدراك الشمس حالة تقليب الحدقة وصرف البصر إليه ، ومن ادراكنا لها حالة انصراف البصر أو تغميضه عنها ، فالادراك الأوّل هو المسمى بالرؤية ، والثاني هو المسمى بالعلم . ثم قال : ولا تتعلق في الدنيا إلا بمقابلة لما هو في جهة ومكان فهل يصح أن تقع بدون المقابلة والجهة والمكان ليصح تعلقه بذات اللّه تعالى مع التنزيه عن الجهة والمكان . المقام الثاني : في جوازها عقلا والثالث : في وقوعها سمعا . أما المقام الثاني فقال الآمدي أجمع الأئمة من أصحابنا على أن رؤية اللّه تعالى في الدنيا والآخرة جائزة عقلا واختلفوا في جوازها سمعا في الدنيا فأثبته قوم ونفاه آخرون ، وهل يجوز أن يرى في المنام ؟ فقيل : لا . وقيل : نعم .