. . . . . . . . . .
شرح
إلا اللّه . أليس هذا من أعظم القدح في النبوّات ؟ وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما عرف تأويل ما ورد في صفات اللّه تعالى ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم . أليس اللّه يقول : بلسان عربي مبين فإذا على زعمهم يجب أن يقولوا كذب ، حيث قال : بلسان عربي مبين إذ لم يكن معلوما عندهم ، وإلّا فأين هذا البيان ؟ وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعي انه مما لا تعلمه العرب لما كان ذلك الشيء عربيا ، فما قول في مقال مآله إلى تكذيب الرب سبحانه ؟ ثم كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو الناس إلى عبادة اللّه تعالى فلو كان في كلامه وفيما يلقيه إلى أمته شيء لا يعلم تأويله إلّا اللّه تعالى لكان للقوم أن يقولوا بين لنا أوّلا من تدعونا إليه وما الذي تقول ؟ فإن الإيمان بما لا يعلم أصله غير متأت ونسبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل أمر عظيم لا يتخيله مسلم ، فإن الجهل بالصفات يؤدّي إلى الجهل بالموصوف ، والغرض أن يستبين من معه مسكة من العقل أن قول من يقول استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها ، واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها ، والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل ، وقد وضح الحق لذي عينين . وليت شعري هذا الذي ينكر التأويل يطرد هذا للإنكار في كل شيء وفي كل آية أم يقنع بترك التأويل في صفات اللّه تعالى ، فإن امتنع من التأويل أصلا فقد أبطل الشريعة والعلوم إذ ما من آية وخبر إلا ويحتاج إلى تأويل وتصرف في الكلام لأن ثم أشياء لا بدّ من تأويلها لا خلاف بين العقلاء فيه إلا الملحدة الذين قصدهم التعطيل للشرائع والاعتقاد لهذا يؤدي إلى ابطال ما هو عليه من التمسك بالشرع ، وإن قال : يجوز التأويل على الجملة إلا فيما يتعلق باللّه وبصفاته فلا تأويل فيه فهذا يصير منه إلى أن ما يتعلق بغير اللّه تعالى يجب أن يعلم ، وما يتعلق بالصانع وصفاته يجب التقاصي عنه وهذا لا يرضى به مسلم وسر الأمر ان هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يدلسون ويقولون له : يد لا كالأيدي ، وقدم لا كالأقدام ، واستواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا ، فليقل المحقق هذا كلام لا بدّ من استبيان قولكم نجري الأمر على الظاهر ولا يعقل معناه تناقض إن أجريت على الظاهر فظاهر السياق في قوله تعالى :يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ[ القلم : 42 ] هو العضو المشتمل على الجلد واللحم والعظم والعصب والمخ ، فإن أخذت بهذا الظاهر والتزمت بالاقرار بهذه الأعضاء فهو الكفر ، وإن لم يمكنك الأخذ بها فأين الأخذ بالظاهر ؟ ألست قد تركت الظاهر وعلمت تقدس الرب تعالى عما يوهم الظاهر ، فكيف يكون أخذا بالظاهر ، وإن قال الخصم : هذه الظواهر لا معنى لها أصلا فهو حكم بأنها ملغاة وما كان في ابلاغها إلينا فائدة وهي هدر وهذا محال . وفي لغة العرب ما شئت من التجوّز والتوسع في الخطاب وكانوا يعرفون موارد الكلام ويفهمون المقاصد ، فمن تجافى عن التأويل فذلك لقلة فهمه بالعربية ومن أحاط بطرق من العربية هان عليه مدرك الحقائق ، وقد قيل :وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ آل عمران : 7 ] فكأنه قال :
والراسخون في العلم أيضا يعلمونه ويقولون آمنا به ، فإن الايمان بالشيء إنما يتصوّر بعد العلم أما ما لا يعلم ، فالإيمان به غير متأت ، ولهذا قال ابن عباس : أنا من الراسخين في العلم اه .