تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
المتمكن جسما مماسا للعرش إما مثله أو أكبر منه أو أصغر ، وذلك محال ، وما يؤدي إلى المحال فهو محال .
شرح
7 ] وهؤلاء والذي أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان ، لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمون ، وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون ، فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلوا في قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات ، فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدري اه . ثم ذكر المصنف المحال الذي يلزم من تفسير الاستواء بالاستقرار والتمكن فقال : هو ( كون المتمكن جسما مماسا للعرش إما مثله أو أكبر منه أو أصغر ، وذلك محال وما يؤدي إلى المحال محال ) . وتحقيقه أنه تعالى لو استقر على مكان أو حاذى مكانا لم يخل من أن يكون مثل المكان أو أكبر منه أو أصغر منه ، فإن كان مثل المكان فهو إذا متشكل بأشكال المكان حتى إذا كان المكان مربعا كان هو مربعا أو كان مثلثا كان هو مثلثا وذلك محال ، وإن كان أكبر من المكان فبعضه على المكان ويشعر ذلك بأنه متجزىء وله كل ينطوي على بعض وكان بحيث ينتسب إليه المكان بأنه ربعه أو خمسه وإن كان أصغر من ذلك المكان بقدر لم يتميز عن ذلك المكان إلّا بتحديد ، وتتطرق إليه المساحة والتقدير ، وكل ما يؤدي إلى جواز التقدير على الباري تعالى فتجوّزه في حقه كفر من معتقده ، وكل من جاز عليه الكون بذاته على محل لم يتميز عن ذلك المحل إلا بكون وقبيح وصف الباري بالكون ، ومتى جاز عليه موازاة مكان أو مماسته جاز عليه مباينته ، ومن جاز عليه المباينة والمماسة لم يكن إلا حادثا ، وهل علمنا حدوث العالم إلا بجواز المماسة والمباينة على أجزائه ؟ وقصارى الجهلة قولهم كيف يتصوّر موجود لا في محل ، وهذه الكلمة تصدر عن بدع وغوائل لا يعرف غورها وقعرها إلا كل غوّاص على بحار الحقائق وهيهات ، طلب الكيفية حيث يستحيل محال ، والذي يدحض شبههم أن يقال لهم قبل أن يخلق العالم أو المكان ، هل كان موجودا أم لا ؟ فمن ضرورة العقل أن يقول : بلى فيلزمه لو صح قوله : لا يعلم موجودا إلا في مكان أحد أمرين إما أن يقول المكان والعرش والعالم قديم ، وإما أن يقول الرب تعالى محدث وهذا مآل الجهلة والحشوية ليس القديم بالمحدث والمحدث بالقديم ونعوذ باللّه من الحيرة في الدين . قال ابن الهمام في المسايرة : على نحو ما ذكرنا في الاستواء يجري كل ما ورد في الكتاب والسنّة مما ظاهره الجسمية في الشاهد كالأصبع والقدم واليد والعين فيجب الايمان به مصحوبا بالتنزيه ، فإن كلا منها صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه وتعالى أعلم به ، وقد يؤوّل كل من ذلك لأجل صرف فهم العامة عن الجسمية وهو ممكن أن يراد ولا يجزم