تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
صلّى اللّه عليه وسلّم : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » على القدرة والقهر ، وحمل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه » على التشريف والإكرام لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال ، فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون
شرح
( و ) كذا ( حمل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » ) رواه مسلم في صحيحه وفيه أيضا : أن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن يقبلها كقلب واحد يصرفه كيف شاء ( على القدرة والقهر ) مجاز بعلاقة أن اليد في الشاهد محل لظهور سلطان القدرة والقهر فحسن اطلاق اليد وإرادة القدرة والقهر قصدا للمبالغة إذ المجاز أبلغ ، ( وكذا حمل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه » ) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام بلفظه . وروى ابن ماجة نحوا من معناه من حديث أبي هريرة رفعه بلفظ : « من فاوض الحجر الأسود فإنما يفاوض يد الرحمن » . ( على التشريف والإكرام ) والمعنى انه وضع في الأرض للتقبيل والاستسلام تشريفا له كما شرفت اليمين وأكرمت بوضعها للتقبيل دون اليسار في العادة فاستعير لفظ اليمين للحجر لذلك أو لان من قبله أو استلمه ، فقد فعل ما يقتضي الإقبال عليه والرضا عنه وهما لازمان عادة لتقبيل اليمين . والحاصل أن لفظ اليمين استعير للحجر للمعنيين أو لأحدهما ، ثم أضيف إضافة تشريف وإكرام ، ( لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال ، فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه ) المحال ، ويتأمل بعض الآيات والاخبار دون بعض على حكم التمني والتشهي ليس في الشرط ، والمقصود من هذه المعارضة انه يعرف أن الخصم يضطر إلى التأويل ، فلتكن التأويلات على وقف الأصول . فإن قيل : فهذا يشعر بكونه مغلوبا مقهورا قبل الاستواء . قيل : إنما يشعر بما قلتم أن لو كان للعرش وجود قبل الخلق وكان قديما والعرش مخلوق وكل ما خلقه حصل مسخرا تحت خلقه فلو لا خلقه إياه لما حدث ، ولولا ابقاؤه إياه لما بقي ونص على العرش لأنه أعظم المخلوقات فيما نقل إلينا ، وإذا نص على الأعظم فقد اندرج تحته ما دونه . قال ابن القشيري : ولو أشعر ما قلنا توهم غلبته لأشعر قوله :وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ[ الأنعام : 18 ] بذلك أيضا حتى يقال : كان مقهورا قبل خلق العباد . هيهات إذ لم يكن للعباد وجود قبل خلقه إياهم ، بل لو كان الأمر على ما توهمه الجهلة من أنه استواء بالذات لأشعر ذلك بالتغيير واعوجاج سابق على وقت الاستواء ، فإن الباري تعالى كان موجودا قبل العرش ، ومن أنصف علم أن قول من يقول : العرش بالرب استوى أمثل من قول من يقول : الرب بالعرش استوى ، فالرب إذا موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة منزه عن الكون في المكان وعن المحاذاة ، ثم قال : وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استزلالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويتصوّر في أوهامهم لأجللت هذا المكتوب عن تلطيخه بذكرهم . يقولون : نحن نأخذ بالظاهر ونجري الآيات الموهمة تشبيها والأخبار المقتضية حدا وعضوا على الظاهر ، ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شيء من ذلك ويتمسكون بقول اللّه تعالى :وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ[ آل عمران :