تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
. . . . . . . . . .
شرح
بإرادته خصوصا على رأي أصحابنا يعني الماتريدية أنها من المتشابهات وحكم المتشابه انقطاع رجاء معرفة المراد منه في هذه الدار وإلّا لكان قد علم اه . قال تلميذه ابن أبي شريف : وهذا بناء على القول بالوقت في الآية على قوله :إِلَّا اللَّهُوهو قول الجمهور . واعلم أن كلام إمام الحرمين في الارشاد يميل إلى طريق التأويل ولكنه في الرسالة النظامية اختار طريق التفويض حيث قال : والذي نرتضيه رأيا وندين اللّه به عقدا اتباع السلف ، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها وكأنه رجع إلى اختيار التفويض لتأخر الرسالة . ومال الشيخ عز الدين بن عبد السّلام إلى التأويل فقال في فتاويه : طريقة التأويل بشرطها أقربها إلى الحق ، ويعني بشرطها أن يكون على مقتضى لسان العرب ، وتوسط ابن دقيق العيد فقال : نقبل التأويل إذا كان المعنى الذي أوّله به قريبا مفهوما من تخاطب العرب ونتوقف فيه إذا كان بعيدا ، وجرى شيخنا المصنف يعني ابن الهمام على التوسط بين أن تدعو الحاجة إليه لخلل في فهم العوام وبين أن لا تدعو الحاجة إلى ذلك اه . وقال والد إمام الحرمين في كفاية المعتقد : أما ما ورد من ظاهر الكتاب والسنّة ما يوهم بظاهرها تشبيها فللسلف فيه طريقان . إحداهما : الإعراض فيها عن الخوض فيها وتفويض علمها إلى اللّه تعالى ، وهذه طريقة ابن عباس وعامة الصحابة وإليها ذهب كثير من السلف ، وذلك مذهب من يقف على قوله :وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُولا يستبعد أن يكون للّه تعالى سرّ في كتابه ، والصحيح أن الحروف المقطعة من هذا القبيل ويعلم بالدليل يقينا أن ركنا من أركان العقيدة ليس تحت ذلك السر لأن اللّه تعالى لا يؤخر البيان المفتقر إليه عن وقت الحاجة ولا يكتم كتمانا . والطريقة الثانية : الكلام فيها وفي تفسيرها بأن يردها عن صفات الذات إلى صفات الفعل فيحمل النزول على قرب الرحمة ، واليد على النعمة ، والاستواء على القهر والقدرة . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلتا يديه يمين » ومن تأمل هذا اللفظ انتفى عن قلبه ريبة التشبيه ، وقد قال تعالى :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ،وقال :ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ[ المجادلة : 7 ] ، فكيف يكون على العرش ساعة كونه سادسهم إلا أن يرد ذلك إلى معنى الإدراك والإحاطة لا إلى معنى المكان والاستقرار والجهة والتحديد اه . وقول والد إمام الحرمين وذلك مذهب من يقف على قوله إلخ . ومثله ما مر عن ابن أبي شريف قد ردّه الإمام القشيري في التذكرة الشرقية حيث قال : وأما قول اللّه عز وجلوَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ،إنما يريد به وقت قيام الساعة ، فإن المشركين سألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الساعة أيان مرساها ومتى وقوعها ، فالمتشابه إشارة إلى علم الغيب ، فليس يعلم عواقب الأمور إلا اللّه عز وجل ، ولهذا قال : هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله أي هل ينظرون إلا قيام الساعة ، وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب اللّه تعالى ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله