تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ الحديد : 4 ] إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم ، وحمل قوله
شرح
يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن ولازم تأويلهم أنه كان مغالبا فيه فاستولى عليه بقهر من غالبه ، وهذا منتف عن اللّه تعالى ، وقول المجسمة أيضا فاسد لأن الاستقرار من صفات الأجسام ويلزم منه الحلول والتناهي وهو محال في حق اللّه تعالى ولائق بالمخلوقات . قال : وأما تفسيره بعلا فهو صحيح وهو المذهب الحق ، وقول أهل السنّة لأنه تعالى وصف نفسه بالعلي وهي صفة من صفات الذات ، وأما من فسّره بارتفع ففيه نظر لأنه لم يصف به نفسه . قال : واختلف أهل السنّة هل الاستواء صفة ذات أو صفة فعل ؟ فمن قال معناه علا قال هي صفة ذات ، ومن قال غير ذلك قال هي صفة فعل ، وأن اللّه فعل فعلا سماه استوى على عرشه لا أن ذلك قائم بذاته لاستحالة قيام الحوادث به اه ملخصا . قال الحافظ : وقد ألزمه من فسره بالاستيلاء بمثل ما ألزم هو به من أنه صار قاهرا بعد أن لم يكن ، فيلزم أنه صار عاليا بعد أن لم يكن والانفصال عن ذلك للفريقين بالتمسك بقوله تعالى :وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً[ الفتح : 4 ] فإن أهل العلم بالتفسير قالوا معناه لم يزل كذلك ، وبقي من معاني استوى ما نقل عن ثعلب استوى الوجه اتصل ، واستوى القمر امتلأ ، واستوى فلان وفلان تماثلا ، واستوى إلى المكان أقبل ، واستوى القائم قاعدا والنائم قاعدا . ويمكن رد بعض هذه المعاني إلى بعض ، وكذا ما تقدم عن ابن بطال . وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في الفاروق بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال : كنا عند أبي عبد اللّه بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل : الرحمن على العرش استوى فقال : هو على العرش كما أخبر ، قال يا أبا عبد اللّه : إنما معناه استولى ، فقال : اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد . ونقل البغوي في تفسيره عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معناه ارتفع وبنحوه قال أبو عبيدة والفراء وغيرهما اه . ( واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : 4 ] إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم ) . قال أبو نصر القشيري في التذكرة الشرقية فإن قيل : أليس اللّه يقول :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىفيجب الأخذ بظاهره ؟ قلنا اللّه يقول أيضا :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْويقول تعالى :أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ[ فصلت : 54 ] فينبغي أيضا أن تأخذ بظاهر هذه الآيات ، حتى يكون على العرش وعندنا ومعنا ومحيطا بالعالم محدقا به بالذات في حالة واحدة . والواحد يستحيل أن يكون بذاته في حالة بكل مكان قالوا قوله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْيعني بالعلم ( وبكل شيء محيط ) إحاطة العلم . قلنا : وقوله تعالى :عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىقهر وحفظ وأبقى اه .