قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
شرح
فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا بالاتصال ونحوه من لوازم الجسمية وأن لا يقفوا تلك اللوازم فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء صيانة لهم من المحذور ، فإنه قد ثبت إطلاقه وإرادته لغة ، ( كما قال الشاعر ) وهو البعيث . كما قاله ابن عباد . أو الأخطل كما قاله الجوهري في بشر بن مروان :( قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق )كذا نسبه الصاحب إسماعيل بن عباد في كتابه نهج السبيل ، ثم قال : فإن قيل فهو مستول على كل شيء فما وجه اختصاصه العرش بالذكر ؟ قيل : كما هو رب كل شيء وقالرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *فإن قيل : فما معنى قولنا عرش اللّه إن لم يكن عليه ؟ قيل : كما تقول بيت اللّه ، وإن لم يكن فيه ، والعرش في السماء تطوف به الملائكة كما أن الكعبة في الأرض تطوف بها الناس . إلى هنا كلام الصاحب ، وهو وإن كان يميل إلى رأي الاعتزال غير أنه وافق أهل السنّة فيما قاله هنا ، ومثل ذلك أيضا قول الشاعر :فلما علونا واستوينا عليهم * جعلناهم مرعى لنسر وطائروقال الجاحظ في كتاب التوحيد له ما نصه : قد زعم أصحاب التفسير عن عبد اللّه بن عباس وهو صاحب التأويل والناس عليه عيال أن قوله : استوى استولى . وهذا القول قد ردّه ابن تيمية الحافظ في كتاب العرش وقال : إن الجاحظ رجل سوء معتزلي لا يوثق بنقله .
قال التقي السبكي : وكتاب العرش من أقبح كتبه ، ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان ما زال يلعنه حتى مات بعد أن كان يعظمه قال فيه : استوى في سبع آيات بغير لام ، ولو كانت بمعنى استولى لجاءت في موضع ، وهذا الذي قاله ليس بلازم فالمجاز قد يطرد ، وحسنه أن لفظ استوى أعذب وأخصر وليس هو من الاطراد الذي يجعله بعض الأصوليين من علامة الحقيقة ، فإن ذلك الإطراد في جميع موارد الاستعمال ، والذي حصل هنا اطراد استعمالها في آيات فأين أحدهما من الآخر ، ثم إن استوى وزنه افتعل فالسين فيه أصلية ، واستولى وزنه استفعل فالسين فيه زائدة ومعناه من الولاية فهما مادتان متغايرتان في اللفظ والمعنى ، والاستيلاء قد يكون بحق وقد يكون بباطل ، والاستواء لا يكون إلا بحق والاستواء صفة للمستوي في نفسه بالكمال والاعتدال ، والاستيلاء صفة متعدية إلى غيره ، فلا يصح أن يقال : استولى حتى يقال على كذا ، ويصح ان يقال استوى ويتم الكلام . فلو قال : استولى لم يحصل المقصود ومراد المتكلم الذي يفسر الاستواء بالاستيلاء التنبيه على صرف اللفظ عن الظاهر الموهم للتشبيه ، واللفظ قد يستعمل مجازا في معنى لفظ آخر ويلاحظ معه معنى آخر في لفظ المجاز لو عبر عنه باللفظ الحقيقي لاختل المعنى ، وقد يريد المتكلم أن الاستواء من صفات الأفعال كالاستواء المتمحض من كل وجه ويكون السبب في لفظ الاستواء عذوبتها واختصارها دون ما ذكرناه ، ولكن ما ذكرناه أحسن وأمكن مع مراعاة معنى الاستواء ، وانظر قول الشاعر :