بالاستواء ، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء ، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[ فصلت : 11 ] ، وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر :
شرح
بالاستواء ) هذا الأصل معقود لبيان أنه تعالى غير مستقر على مكان كما قدمه صريحا في ترجمة أصول الركن الأوّل ، ونبه عليه هنا بالجواب عن تمسك القائلين بالجهة والمكان ، فإن الكرامية يثبتون جهة العلو من غير استقرار على العرش والحشوية وهم المجسمون مصرحون بالاستقرار على العرش وتمسكوا بظواهر منها قوله تعالى :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىوحديث الصحيحين : « ينزل ربنا كل ليلة » الحديث . وأجيب عنه بجواب إجمالي هو كالمقدمة للأجوبة التفصيلية ، وهو أن الشرع إنما ثبت بالعقل فإن ثبوته يتوقف على دلالة المعجزة على صدق المبلغ ، وإنما تثبت هذه الدلالة بالعقل ، فلو أتى الشرع بما يكذبه العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل معا . إذا تقرر هذا فنقول : كل لفظ يرد في الشرع مما يستند إلى الذات المقدسة بأن يطلق اسما أو صفة لها وهو مخالف للعقل ، ويسمى المتشابه لا يخلو إما ان يتواتر أو ينقل آحادا والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه ، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد ، وإن كان متواترا فلا يتصوّر أن يكون نصا لا يحتمل التأويل ، بل لا بدّ وأن يكون ظاهرا وحينئذ نقول الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مرادا منه ، ثم إن بقي بعد انتفائه احتمال واحد تعين أنه المراد بحكم الحال ، وإن بقي احتمالان فصاعدا فلا يخلو إما أن يدل قاطع على واحد منهما أولا ، فإن دل حمل عليه وإن لم يدل قاطع على التعيين ، فهل يعين بالنظر والاجتهاد دفعا للخبط عن العقائد أولا خشية الإلحاد في الأسماء والصفات ؟ الأوّل : مذهب الخلف ، والثاني مذهب السلف . وستأتي أمثلة التنزيل عليهما . وأما الأجوبة التفصيلية فقد أجيب عن آية الاستواء بأنا نؤمن بأنه تعالى استوى على العرش مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة لها لقيام البراهين القطعية باستحالة ذلك في حقه تعالى ، بل نؤمن بأن الاستواء ثابت له تعالى بمعنى يليق به تعالى : ( وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا تتطرق إليه سمات الحدوث والفناء ، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن ؛ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ[ فصلت : 11 ] وقال أيضا :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ[ البقرة : 29 ] وفي طه :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىوفي الأعراف ، ويونس والرعد ، والسجدة ، والحديدثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ *وفي الفرقان :ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ( وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء ) أي قهره على العرش واستيلاؤه ، وهذا جرى عليه بعض الخلف . واقتصر عليه المصنف هنا وهذا يعني كون المراد أنه الاستيلاء ، فعند الماتريدية أمر جائز الإرادة أي يجوز أن يكون مراد الآية ، ولا يتعين كونه المراد خلافا لما دل عليه كلام المصنف من تعيينه إذ لا دليل على ارادته عينا .
فالواجب عينا ما ذكر من الإيمان به مع نفي التشبيه ، وإذا خيف على العامة لقصور أفهامهم عدم