المعنى ، ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له ، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر ، وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبر ، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء . وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء ، فإنه تعالى فوق كل موجد بالقهر والاستيلاء .
شرح
اللغة ، أو يرجع إلى غيره فيرد قوله صونا عن الضلالة . ثم نبه المصنف على طريق ثالث في الاستدلال بقوله : ( ولأنه لو كان فوق العالم ) كما يقوله بعض المجسمة ( لكان محاذيا له ) أي مقابلا ، ( وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه ) كما يقوله هشام بن الحكم الرافضي ( أو أكبر ) منه ، ( وكل ذلك ) مستحيل في حقه تعالى إذ هو ( تقدير يحوج إلى مقدر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبر ) جل سبحانه .
وقال المصنف في إلجام العوام اعلم أن الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل يعني أن الأعلى من جانب رأس الأسفل ، وقد لا بهذا المعنى فيقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الوزير ، والأوّل يستدعي جسما حتى ينسب إلى جسم ، والثاني لا يستدعيه فليعتقد المؤمن أن الأوّل غير مراد وانه على اللّه تعالى محال فإنه من لوازم الأجسام أو لوازم اعراض الأجسام ، فإن قيل : فما بال الأيدي ترفع إلى السماء وهي جهة العلو ؟ فأشار المنصف إلى الجواب بقوله : ( فأما رفع الأيدي عند السؤال ) والدعاء ( إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء ) ، كما أن البيت قبلة الصلاة يستقبل بالصدر والوجه والمعبود بالصلاة ، والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول بالبيت والسماء . وقد أشار النسفي أيضا فقال : ورفع الأيدي والوجوه عند الدعاء تعبد محض كالتوجه إلى الكعبة في الصلاة فالسماء قبلة الدعاء كالبيت قبلة الصلاة . ( وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعوّ من الجلال ) والعظمة ( والكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلا ، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) ، ويدل لذلك قوله تعالى :وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ[ الأنعام : 18 ] لأن ذكر العبودية في وصف من اللّه فوقه يؤكد احتمال فوقية القهر والاستيلاء . وقد ذكر المصنف في الاقتصاد سر الإشارة بالدعاء إلى السماء على وجه فيه طول فراجعه .
فإن قيل : نفيه عن الجهات الست إخبار عن عدمه إذا لا عدم أشد تحقيقا من نفي المذكور عن الجهات الست ، وهذا سؤال سمعه محمود بن سبكتين من الكرامية وألقاه على ابن فورك ؟
قلت : النفي عن الجهات الست لا يكون ذلك اخبارا عن عدم ما لو كان لكان في جهة من النافي لا نفي ما يستحيل أن يكون في جهة منه . ألا ترى أن من نفى نفسه عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارا عن عدمه لأن نفسه ليست بجهة منه . وأما قول المعتزلة : القائمان بالذات يكون واحد منهما بجهة صاحبه لا محالة . فالجواب عنه هذا على الإطلاق أم بشريطة أن يكون كل