تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين : أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا ، والآخر يقابله ويسمى رأسا . فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرجل ، حتى أن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتا وإن كان في حقنا فوقا . وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب ، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله ، وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا ، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرك إليه فحدث اسم القدام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها ، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة ، بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن لهذه الجهات وجود البتة . فكيف كان في الأزل مختصا بجهة والجهة حادثة ؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد إن لم يكن له ؟ أبأن خلق العالم فوقه
شرح
كان إلى محيطه ومحويه فهو جهة علو ، وهذا لا يكاد يختلف . ومن ثم ادعى فيهما أنها جهتان على الحقيقة حقيقة وطبعا كما قرر في محله . ( وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان ) أي حادثة باحداث الإنسان ونحوه مما يمشي على رجلين ( إذ خلق له طرفين : أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا ، والآخر يقابله ويسمى رأسا فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس ) أي معنى الفوق ما حاذى رأسه من جهة السماء ، ( واسم الأسفل لما يلي جهة الأرض ) مما يحاذي رجله ( حتى أن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتا ) لأنه المحاذي لظهرها ( وإن كان في حقنا فوقا ) أي معنى الفوق فيما يمشي على أربع أو على بطنه بالنسبة إليهما ما يحاذي ظهره من فوقه فهي كلها إضافية ، ( وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب فحدث اسم اليمين للأقوى ) أي اليمين ما يحاذي أقوى يديه غالبا ( والشمال لما يقابله ) وإنما قيده بالغالب فإن في الناس من يساره أقوى من اليمين ولكنه نادر ، ( وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا ، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرك إليه فحدث له اسم القدام ) ويسمى الأمام أيضا وهو ما يحاذي جهة الصدر ( للجهة التي ) يبصر منها و ( يتقدم إليها بالحركة ، واسم الخلف ) وكذلك الوراء ( لما يقابلها . فالجهات ) على ما ذكر ( حادثة بحدوث الانسان ) فقبل خلق العالم لم يكن فوق ولا تحت ، إذ لم يكن ثم حيوان فلم يكن ثم رأس ولا رجل ولا ظهر وهي مع ذلك اعتبارية لا حقيقية لا تتبدل ، ( ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة ) المعروفة وكذا كل حادث ، ( بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن لهذه الجهات وجود البتة ) أي لم توجد واحدة من هذه إذ لا رأس ولا رجل ولا يمين ولا شمال ولا ظهر ولا وجه ، ( فكيف كان ) تعالى ( في الأزل مختصا بجهة والجهة حادثة ) وهو تعالى كان موجودا في الأزل ولم يكن شيء من الموجودات لأن كل موجود سواه حادث ، ( أو كيف صار بجهة بعد أن لم يكن له ، أبأن خلق الإنسان تحته