والمصور مصوره . والأجسام والاعراض كلها من خلقه وصنعه فاستحال القضاء عليها بمماثلته ومشابهته .
شرح
وقبلي كمثل جذوع النخيليغشاهم سيل منهم أراد أنهم كجذوع النخل فزاد المثل صلة في الكلام . وقال الآخر :فصيروا كمثل عصف مأكولأراد مثل عصف فزاد الكاف . وقد تزيد العرب الكاف على الكاف ، كقول الشاعر :وصاليات ككما توثقنيأراد كما توثقني فزاد عليه كافا فكذلك قوله :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌالكاف فيه زائدة .
والمراد ليس مثله شيء ومعناه ليس شيء مثله ، وأما وجه مناقضة السؤال في نفسه ، فمن حيث أن السائل زعم أن له مثلا لا نظير له ، وإذا لم يكن للمثل نظير بطل أن يكون مثلا له لأن مثل الشيء يقتضي أن يكون المضاف إليه بالتماثل مثلا له ، وذلك متناقض ، وإذا تناقض السؤال في نفسه لم يستحق جوابا . ( وأنّى يشبه ) أي كيف يشبه ( المخلوق خالقه والمقدور مقدره والمصوّر مصوّره والأجسام والأعراض كلها ) أي ما سواه تعالى ( من خلقه وصنعه ) وابداعه ( فاستحال القضاء عليها بمماثلته ومشابهته ) .
اعلم أن أهل ملة الإسلام قد أطلقوا جميعا القول بأن صانع العالم لا يشبه شيئا من العالم ، وأنه ليس له شبه ولا مثل ولا ضد ، وأنه سبحانه موجود بلا تشبيه ولا تعطيل ، ثم اختلفوا بعد ذلك فيما بينهم ، فمنهم من اعتقد في التفصيل ما يوافق اعتقاده في الجملة ولم ينقض أصول التوحيد على نفسه بشيء من فروعه ، وهم المحققون من أهل السنة والجماعة أصحاب الحديث وأهل الرأي الذين تمسكوا بأصول الدين في التوحيد والنبوّات ، ولم يخلطوا مذاهبهم بشيء من البدع والضلالات المعروفة بالقدر والارجاء والتجسيم والتشبيه والرفض ونحو ذلك . وعلى ذلك أئمة الدين جميعهم في الفقه والحديث والاجتهاد في الفتيا والأحكام كمالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وفقهاء المدينة وجميع أئمة الحرمين وأهل الظاهر ، وكل من يعتبر خلافه في الفقه وبه قال أئمة الصفاتية المثبتة من المتكلمين كعبد اللّه بن سعيد القطان ، والحرث بن أسد المحاسبي ، وعبد العزيز المكي ، والحسين بن الفضل البجلي ، وأبي العباس القلانسي ، وأبي الحسن الأشعري ، ومن تبعهم من الموحدين الخارجين عن التشبيه والتعطيل ، وإليه ذهب أيضا أئمة أهل التصوّف كأبي سليمان الداراني ، وأحمد بن أبي الحواري ، وسري السقطي ، وإبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن عياض ، والجنيد ، ورويم ، والنووي ، والخراز ، والخواص ، ومن جرى مجراهم دون من انتسب إليهم وهم بريئون منهم من الحلولية وغيرهم ، وعلى ذلك درج من سلف من أئمة المسلمين في الحديث كالزهري ، وشعبة ، وقتادة ، وابن عيينة ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن سعيد ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المدائني ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، ويحيى بن يحيى