تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
بذاته . وقد تحصل من هذه الأصول أنه موجود قائم بنفسه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ، وأن العالم كله جواهر واعراض وأجسام . فإذا لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، بل هو الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء وأنّى يشبه المخلوق خالقه والمقدور مقدره
شرح
تكميل : الموجودات بالنسبة إلى المحل والمخصص أقسام أربعة : قسم غني عن المحل والمخصص وهو ذاته تعالى غني عن المحل لكونه ذاتا وعن المخصص لكونه قديما باقيا ، وقسم غني عن المخصص وموجود في المحل وهو صفاته تعالى غنية عن المخصص لكونها قديمة باقية وموجودة في المحل لأن الصفة لا تقوم بنفسها ، وقسم غني عن المحل مفتقر إلى المخصص وهي ذوات الأجرام غنية عن المحل لكونها ذاتا ، والذات لا تحتاج إلى محل ومفتقرة إلى المخصص لكونها حادثة ، والحادث لا بدّ له من محدث ، وقسم مفتقر إلى المحل والمخصص وهي الاعراض مفتقرة إلى المحل لكونها إعراضا والعرض لا يقوم بنفسه ومفتقرة إلى المخصص لكونها حادثة والحادث لا بدّ له من محدث . ( وقد تحصل من هذه الأصول ) أي من أوّلها إلى هنا ( أنه ) تعالى ( موجود ) واجب الوجود قديم لا أوّل له باق لا آخر له ( قائم بنفسه ) مخالف للحوادث ( ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ) ولا حال في شيء ولا يحله شيء ، ( وأن العالم كله ) وهو ما سوى اللّه تعالى ( جواهر واعراض وأجسام ) . وذكر الجواهر يغني عن الأجسام لأن الأجسام جواهر مؤلفة كما تقدم ، ( فإذا لا يشبه شيئا ) من خلقه ( ولا يشبهه شيء ) من خلقه . والمشابهة تتحقق من الطرفين إذ العالم جواهر واعراض واللّه تعالى خالقها كلها ، ( بل هو الحي القيوم ) لما ثبت أن اللّه سبحانه وتعالى لا يشبه شيئا من خلقه . أشار إلى ما يقع به التفرقة بينه وبين خلقه بما يتصف به تعالى دون خلقه ، فمن ذلك أنه قيوم لا ينام إذ هو مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه ، فإنهم ينامون وأنه تعالى حي لا يموت لأن صفة الحياة الباقية مختصة به دون خلقه فإنهم يموتون ، ثم قال :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] أي ليس مثله شيء يناسبه ويزاوجه والمراد من مثله ذاته المقدسة كما في قولهم : مثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة في نفيه بطريق الكناية ، فإنه إذا نفي عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه أولى ، وقيل : مثل صفته أي ليس كصفته صفة والمخالفة بينه وبين سائر الذوات لذاته المخصوصة تعالى لا لأمر زائد هذا مذهب الأشعري . وأوّل هذه الآية تنزيه وآخرها اثبات ، فصدرها يرد على المجسمة ، وعجزها يرد على المعطلة النافين لجميع الصفات ، وبدأ بالتنزيه ليستفاد منه نفي التشبيه له تعالى مطلقا حتى في السمع والبصر اللذين ذكرا بعد . وقال أبو منصور التميمي اعترض بعض المشبهة على هذه الآية بأن قال : إن هذه تقتضي اثبات مثل ونفي مثل عن ذلك المثل ، وهذا جهل منهم بكلام العرب في مخاطباتها مع انتقاضه في نفسه ، أما جهلهم بكلام العرب فلأن العرب تزيد المثل تارة في الكلام وتزيد الكاف أخرى مع الاستغناء عنها ، وذلك كقول القائل لصاحبه : أعرفك كالهين العاجز أي أعرفك هينا عاجزا ، وقال الشاعر :