تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
كل شيء وقبل كل ميت وحي ، وبرهانه أنه لو كان حادثا ، ولم يكن قديما لافتقر هو
شرح
كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ[ يس : 39 ] وهذا المعنى محال في حقه سبحانه وتعالى لأن وجوده جل وعز لا يتقيد بزمان ولامكان لحدوث كل منهما فلا يتقيد بواحد منهما إلا ما هو حادث ، وهل يجوز أن يتلفظ بالقديم في حقه تعالى ، فمن راعى معناه جوّزه ، ومن راعى كونه لم يرو نصا منع لأن الأسماء توقيفية ، ومنهم من أورده فيه نصا من السنّة فعلى هذا يصح ، وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأوّل فراجعه ودل عليه من القرآن قوله تعالى :وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ[ الواقعة : 60 ] ( أزلي ) نسبة إلى الأزل وهو القديم كما في الصحاح والتهذيب فهو حينئذ بمعنى القديم ، وقيل : منسوب إلى لم يزل قاله الزمخشري ، وتقدم البحث فيه في الفصل الأوّل ( ليس لوجوده أوّل بل هو الأوّل قبل كل شيء وقبل كل ميت وحي ) أي : لم يسبق وجوده عدم يعني أن القدم في حقه تعالى بمعنى الأزلية التي هي كون وجوده غير مستفتح . قال المصنف في الاقتصاد : ليس تحت لفظ القديم يعني في حق اللّه تعالى سوى إثبات موجود ونفي عدم سابق ، فلا تظنن أن القدم معنى زائد على ذات القديم ، فيلزمك أن تقول ذلك المعنى أيضا قديم بقدم زائد عليه ويتسلسل إلى غير نهاية اه . وقال أبو منصور التميمي : اختلف المتكلمون فيما يجوز إطلاق وصف القديم عليه تعالى وفي معناه على أربعة مذاهب . وكان شيخنا الأشعري يقول : إن معناه المتقدم في وجود ما يكون بعده ، والتقدم نوعان : تقدم بلا ابتداء كتقدمه تعالى وصفاته القائمة بذاته على الحوادث كلها ، وتقدم بغاية كتقدم بعض الحوادث على بعض . وأجاز إطلاق وصف القديم عليه تعالى وعلى صفاته الأزلية . وقال : إن القديم قديم لنفسه لا لمعنى يقوم به ، فلا ننكر وصف صفاته الأزلية بهذا الوصف كما لم ننكر وصفها بالوجود إذ كان موجودا لنفسه . وقال عبد اللّه بن سعيد ، وأبو العباس القلانسي : ان القديم قديم بمعنى يقوم به ، فهؤلاء يقولون : انه تعالى قديم لمعنى قائم به ، ويقولون : ان صفاته قائمة به موجودة أزلية ، ولا يقال إنها قديمة ولا محدثة ، وزعم معمر وأتباعه من المعتزلة : الحق أن اللّه لا يوصف بأنه قديم ولا بأنه كان عالما في الأزل بنفسه ، لأن من شرط المعلوم عنده أن يكون غير العالم ونفسه ليس لغيره ، وزعم الباقون من القدرية أن القديم هو الإله ونفوا صفاته الأزلية وقالوا : لو كانت الصفات أزلية لشاركته في القدم ولوجب أن تكون آلهة لأن الاشتراك في القدم يوجب التماثل . وقد بينا في أوّل الكتاب أن الاشتراك في القديم لا يوجب تماثلا كما أن الاشتراك في صفة الحدوث لا يوجب تماثلا اه . وقال السبكي : اعلم أن الأشاعرة اختلفوا في صفة القدم ، فنقل عن الشيخ أنها من صفات المعاني وهو قول عبد اللّه بن سعيد ، وقيل : من الصفات النفسية وإليه رجع الشيخ ، والحق أنها من الصفات السلبية فلا يكون من الصفات النفسية ، ولا المعنوية إذ السلب داخل في مفهومه إذ القدم هو عدم سبقية العدم على الوجود ، وقد تقدم ذلك اه . قال المصنف : ( وبرهانه أنه لو كان حادثا ولم يكن قديما لافتقر ) أي احتاج ( إلى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 155 | مرتضى الزبيدي