إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 158
الأصل الثالث : العلم بأنه تعالى مع كونه أزليا أبديا ليس لوجوده آخر ، فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه ، وبرهانه أنه لو انعدم لكان لا يخلو إما أن ينعدم بنفسه أو بمعدم يضاده ، ولو جاز أن ينعدم شيء يتصوّر دوامه تكميل : قال ابن جماعة : التقدم خمسة : الأوّل : بالعلة كحركة الأصبع على الخاتم ، الثاني : بالذات كالواحد على الاثنين ، والثالث : بالشرف كأبي بكر على عمر ، والرابع : بالرتبة كالجنس على النوع ، والخامس بالمكان كالإمام على المأموم . [ الأصل الثالث : العلم بأنه تعالى ليس لوجوده آخر ] ( الأصل الثالث : العلم بأنه تعالى مع كونه أزليا ) كونه ( أبديا ) أي ( ليس لوجوده آخر ) أي يستحيل أن يلحقه عدم ، وهذه الصفة هي الصفة الثانية من الصفات السلبية على الأصح المعبر عنها بالبقاء ، وهو عبارة عن سلب العدم اللاحق للوجود ، وإن شئت قلت : هو عبارة عن سلب الانتهاء للوجود ، وإن شئت قلت : هو عبارة عن سلب الانقضائية للوجود والثلاثة بمعنى واحد هذا معنى البقاء في حقه تعالى وحق صفاته ، ويطلق البقاء بمعنى آخر وهو مقارنة الوجود لزمانين فصاعدا ، وهذا محال في حقه تعالى لما عرفت من استحالة تقييد وجوده بالزمان . وقال أبو منصور التميمي : اختلف أصحابنا في معنى الباقي وحقيقته فمن قال منهم : ان الباقي ما قام به البقاء امتنع من وصف صفات اللّه تعالى القديمة بذاته بأنها باقية ، وقال : انها موجودة أزلية قائمة باللّه عز وجل ، ولا يقال فيها انها باقية ولا فانية هذا قول عبد اللّه بن سعيد وأبي العباس القلانسي . ومن قال : ان الباقي ما له بقاء ولم يشرط قيام البقاء به كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعري فإنه يقول : إن الصفات الأزلية القائمة باللّه باقية دائمة واختلف أصحابه في كيفية وصفها بالبقاء ، فمنهم من قال : كل صفة منها باقية لنفسها ونفسها بقاء لها وبقاؤه بقاء لنفسه وهذا اختيار أبي إسحاق الأسفرايني ، ومنهم من قال : بقاء الباري بقاء لنفسه ولسائر صفاته الأزلية وهذا اختيار أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك وبه نقول اه . ثم أشار المصنف إلى دليله النقلي فقال : ( فهو الأوّل ) وهو دليل كونه أزليا ( والآخر ) وهو دليل كونه أبديا ( والظاهر والباطن ) وهو في كتابه العزيز وجاء بمثله في الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي كما تقدم ، وهذا هو دليل المحدث أيضا ، وأما الصوفي فدليله في الأبدية كدليله في الأزلية ، ( لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه ) وهذا القول مبني على المشهور من أن القديم أخص من الأزلي كما تقدم بيانه . قال شيخ مشايخنا : فليست الاعدام أزلية قديمة حتى يرد ما قاله ابن التلمساني : من أن الاعدام الأزلية قديمة ولم يستحل عدمها فيما لا يزال لانعدامها بالوجود ويمكن أن يجاب على تسليم الترادف بأن ما عبارة عن موجود فلا تدخل الاعدام ، ثم شرع في ذكر الدليل العقلي فقال : ( وبرهانه أنه لو انعدم لكان لا يخلو إما أن ينعدم بنفسه ) بأن يكون انعدامه أثرا لقدرته ( أو ) ينعدم ( بمعدم يضاده ) فيمتنع وجوده