تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
. . . . . . . . . .
شرح
وهذا الذي ذكره إمام الحرمين قد زاده وضوحا ابن التلمساني في شرح اللمع لإمام الحرمين فقال ما نصه : فإن قيل : القول بالقدم يلزم منه وجود أزمنة لا نهاية لها إذ لا يعقل استمرار وجود وبقاؤه إلا بزمان ، وأنتم لا تقولون به . قلنا : الزمان يطلق باعتبارات ثلاث وكلها منتفية بالنسبة إلى الباري تعالى . الأوّل : الإطلاق العرفي وهو مرور الليالي والأيام وذلك تابع لحركات الأفلاك ، وقد أقمنا الدليل على حدوث العالم فقد كان اللّه ولا زمان بهذا الاعتبار وكان اللّه ولا شيء معه . الثاني : ما اصطلح عليه المتكلمون وهو مقارنة متجدد لمتجدد توقيتا للمجهول بالمعلوم ، وذلك يختلف بالنسبة إلى السامع فتقول : ولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عام الفيل فتجعله وقتا لمولده صلّى اللّه عليه وسلّم وزمانا له لمن يعلم عام الفيل ولا يعلم مولده صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتقول عام الفيل مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتوقته بمولده صلّى اللّه عليه وسلّم لمن يعلمه ولا يعلم عام الفيل فهو أمر فرضي ، وذلك لا يتحقق في الأزل أو لا يتجدد في الأزل ويطلق في اصطلاح الحكماء على أمر حركة الفلك وهو تابع لحركات الأفلاك فلا يكون أزليا فبأي معنى فسر الزمان لا يكون أزليا اه . ثم هذا الذي ذكره المصنف من الاستدلال على قدم الباري تعالى هو المشهور بين المتكلمين وهو الذي اقتصر عليه الجماهير من المتقدمين ، وزاد بعضهم فقال : ودليل ثان وهو أنه تعالى واجب لذاته والواجب لذاته لا يقبل الانتفاء بحال فيلزم قدمه وبقاؤه قاله ابن التلمساني . واقتصر على هذا الدليل السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب وقرره بما نصه : صانع العالم واجب الوجود ، وكل واجب الوجود فوجوده من ذاته ، وكل ما هو موجود من ذاته فعدمه محال ، وكل ما عدمه محال لم يمكن عدمه قط ، وكل ما لا يمكن عدمه قط فهو قديم فصانع العالم قديم . وبالجملة ؛ فالقدم من اللوازم البينة لذات الواجب وثبوت مستلزم المستلزم مستلزم لثبوت اللازم اه . وهذا كقولهم مساوي المساوي مساو ، وأما دليل قدمه تعالى عند المحدث فيقول قال تعالى :لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ،وقال تعالى :هُوَ الْأَوَّلُ .وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوفك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء » الحديث أخرجه أبو داود والترمذي ، فلو لم يكن قديما لكان حادثا ولو كان حادثا لكان قبله شيء ، وأما الصوفي فإنه يقول كل قضية بديهية فلوازمها البينة بديهية ، وهذا لازم بيّن لثبوت الوجود الذاتي إذ كلما تصور القدم ووجود الواجب لزم جزم العقل بوجوبهما . تنبيه : قال شيخ مشايخنا في إملائه : اعلم أن القديم أخص من الأزلي لأن القديم موجود لا ابتداء لوجوده ، والأزلي ما لا ابتداء لوجوده وجوديا كان أو عدميا ، فكل قديم أزلي ولا عكس ، ويفترقان أيضا من جهة أن القديم يستحيل أن يلحقه تغير أو زوال بخلاف الأزلي الذي ليس بقديم كعدم الحوادث المنقطع بوجوده .