أيضا إلى محدث ، وافتقر محدثه إلى محدث وتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية ، وما تسلسل لم يتحصل أو ينتهي إلى محدث قديم هو الأول ، وذلك هو المطلوب الذي سميناه صانع العالم ومبدئه وبارئه ومحدثه ومبدعة .
شرح
محدث ) ، وبيانه : أنه لو لم يكن قديما لكان حادثا لوجوب انحصار كل موجود في القدم والحدوث ، فمهما انتفى أحدهما تعين الآخر ، والحدوث على اللّه عز وجل مستحيل لأنه يستلزم له محدث لما تقدم في حدوث العالم أن كل حادث لا بدّ له من محدث ، فينقل الكلام إلى ذلك المحدث فإن كان قديما فهو المراد بمسمى كلمة الجلالة وإن لم يكن قديما كان حادثا ، ( وافتقر محدثه إلى محدث ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية وما تسلسل ) لا إلى نهاية ( لم يتحصل ) أي أن تسلسل هكذا لزم عدم حصول حادث منها أصلا لما سبق أن المحال وهو وجود حوادث لا أوّل لها يستلزم استحالة وجود الحادث الحاضر ، وأيضا فإن التسلسل يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له وذلك لا يعقل ، وإن كان الأمر ينتهي إلى عدد متناه فيلزم الدور وهو محال أيضا لأنه يلزم عليه تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها ، فإذا كان الحدوث يؤدي إلى الدور أو التسلسل المحالين لزم أن يكون محالا ، ( أو ينتهى إلى محدث قديم هو الأوّل ) وهو مسمى كلمة الجلالة ، ( وذلك هو المطلوب الذي سميناه صانع العالم وبارئه ومحدثه ومبدئه ) على غير مثال سابق .
قال ابن الهمام في المسايرة وتلميذه ابن أبي شريف في شرحه : بل اللزوم هنا بطريق أولى من الطريق الذي ذكر في استلزام حوادث لا أوّل لها استحالة وجود الحادث الحاضر ، لأن هذا الترتيب على أي ترتب معلول على علة ، فكل مرتبة من مراتبه علة لوجود ما يليها غير أن إيجاد كل للآخر الذي يليه بالاختيار كما ينبه عليه قولهم افتقر إلى محدث . قال الشارح : وهذا الاستدراك للتنبيه على أن قولنا على ليس على طريقة الفلاسفة وهو أن العلة توجب المعلول ، وذلك أي الطريق المذكور في حوادث لا أول لها لم يفرض فيه غير ترتب تلك الحوادث في الوجود دون تعرض لكون كل منها علة لوجود ما يليه ، لكن حصول الحوادث ثابت ضرورة بالحس والعقل ، فيجب أن ينتهي حصولها في الوجود إلى موجد لا أول له ولا يراد بالاسم الذي هو اللّه إلا ذلك .
وقال إمام الحرمين في الإرشاد : فإن قيل : إثبات موجد لا أوّل له إثبات أوقات متعاقبة لا نهاية لها إذ لا يعقل استمرار وجود إلا في أوقات وذلك يؤدي إلى اثبات حوادث لا أول لها وقد تبين بطلانها . قلنا : هذا زلل ممن ظنه فإن الأوقات يعبر بها عن موجودات تقارن موجودا وكل موجود أضيف إلى مقارنة موجود فهو وقته ، والمستمر في العادات التعبير بالأوقات عن حركات الفلك وتعاقب الجديدين ، فإذا تبين ذلك في معنى الوقت فليس من شرط وجود الشيء أن يفارقه موجود آخر إذا لم يتعلق أحدهما بالثاني في قضية عقلية ، ولو افتقر كل موجود إلى وقت وقدرت الأوقات موجودة لافتقرت إلى أوقات ، وذلك يجر إلى جهالات لا ينتحلها عاقل فالباري تعالى قبل حدوث الحوادث منفرد بوجوده وصفاته لا يقارنه حادث اه .