. . . . . . . . . .
شرح
بين الواجب والممكن ، والفرق بينهما أن اللّه سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن الوجود ، فاللّه تعالى موجود واجب الوجود ، فلو قال قائل : ما الدليل على وجوده تعالى ؟ يقال :
حدوث هذا العالم فإنه موجود وله حقائق ثابتة مشاهدة ، وإنه منحصر في جواهر واعراض . فلو قال القائل : ما الدليل على حدوثه ؟ يقال : مشاهدة تغيره فإن كل متغير حادث وتغيره من حركة إلى سكون ومن سكون إلى حركة مشاهد لكل أحد ، وملازم الحادث حادث فلو لم يكن له محدث بل حدث بنفسه لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين راجحا على مساويه بلا سبب وهو محال ، فدل على أن الذي رجح جانب الوجود بعد العدم وأحدث هذا العالم هو اللّه سبحانه وتعالى ، ويستحيل أن يكون الحادث وهو الذي ممكن الوجود موجودا ويكون الذي أوجده بعد أن لم يكن شيئا ليس بموجود بل هو موجود واجب الوجود اه .
وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب : اعلم أن حكم الجواهر والاعراض كلها الحدوث ، فإذا العالم كله حادث . وعلى هذا إجماع المسلمين بل كل الملل ، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفة الإجماع القطعي ، وهذا المطلب مما يكفي السمع لعدم توقفه عليه لحصول العلم بوجود الصانع بامكان العالم وإمكانه ضروري ، ثم أقام البرهان على حدوث الجوهر وأن الجوهر لا يخلو عن عرض والعرض حادث ، فالجوهر لا يخلو عن الحادث وما لا يخلو عن الحادث لا يسبقه إذ لو سبقه لخلا عنه وما لا يسبق الحادث حادث ، فالجوهر حادث . قال : وهو أشهر حجج أهل النظر العقلي . قال : وقد يقال على وجه أخص وأتم وهو أن كل ما سوى الواجب ممكن وكل ممكن حادث ، فالعالم حادث . أما المقدمة الأولى فظاهرة ، وأما الثانية فلأن الممكن يحتاج في وجوده إلى موجد والموجد لا يمكن أن يوجد حال وجوده ، وإلّا لكان ايجادا للموجد وهو محال . فيلزم أن يوجده حال لا وجوده فيكون وجوده مسبوقا بعدمه وذلك حدوثه وهو المطلوب . قال : وأما أهل الحديث فقد ثبت عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كان اللّه ولا شيء قبله » وفي طريق « ولا شيء غيره » وفي طريق « ولا شيء معه » .
وقد ثبت الإجماع بل إجماع الكتب السماوية كلها كما نقله الفخر في شرح عيون الحكمة ، وجعل العمدة في هذه المسألة الاجماع قال : وأما طريق الصوفي فيقول بما تقدم ، ثم يقول بلسان التنبيه مشيرا إلى ما يخصه من وجود كل شيء له اعتباران : اعتبار من حيث صورة ذاته ، واعتبار من حيث صورة العلم به ، فالصورة الأولى صورة عينية ، والثانية صورة علمية . واعتبر نفسك فإنك تجد الآثار التي تبدو عنك لها صورتان : صورتها العلمية من حيث أنها في ذهنك ، وصورتها العينية وهو ما بدا عنك مطابقا لعلمك ، فالأشياء إما من حيث صورتها العينية فحادثة قطعا وذلك هو وجودنا الذي يدرك منه وفيه تعيننا وهذا يجده كل مدرك عاقل من نفسه والعالم كله متماثل . ولا تفاوت فيه ، وقد ارتفع النزاع في ذلك قال اللّه تعالى :ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ[ الملك : 3 ] وقال :إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً[ مريم : 93 ] وقال عليه السّلام : « اللهم ربي ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم اخوة » . وأما من حيث