لا تنتهي النوبة إلى وجود الحادث الحاضر في الحال وانقضاء ما لا نهاية له محال ، ولأنه لو كان للفلك دورات لا نهاية لها لكان لا يخلو عددها عن أن تكون شفعا أو وترا ، أو شفعا ووترا جميعا ، أو لا شفعا ولا وترا ، ومحال أن تكون شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا ، فإن ذلك جمع بين النفي والاثبات ، إذ في اثبات أحدهما نفي الآخر ، وفي نفي أحدهما اثبات الآخر . ومحال أن يكون شفعا لأن الشفع يصير وترا بزيادة واحد . وكيف يعوز ما لا نهاية له واحد ؟ ومحال أن يكون وترا إذ الوتر يصير شفعا بواحد ، فكيف يعوزها واحد مع أنه لا نهاية لاعدادها . ومحال أن يكون لا شفعا ولا وترا إذ له نهاية . فتحصل من هذا أن العالم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو إذا حادث . وإذا ثبت حدوثه كان افتقاره إلى المحدث من المدركات بالضرورة .
شرح
مشروط وجودها بانقضاء ما قبلها ، وكذلك الحركة التي قبلها مشروطة بمثل ذلك وهلم جرا .
( وانقضاء ما لا نهاية له ) ووقع في نسخ المسايرة « ما لا أوّل له » بدل « ما لا نهاية له » .
( محال ) لأنك إذا لاحظت الحادث الحاضر ، ثم انتقلت إلى ما قبله فلاحظته وهلم جرا على الترتيب لم تفض إلى نهاية ودخول ما لا نهاية له من الحوادث في الوجود محال ، وإن لم يكن عدم إفضائك إلى نهاية لكان لتلك الحوادث أوّل وهو خلاف المفروض ، ثم شرع في الرد على الفلاسفة القائلين بكون قبل كل حادث حوادث لا أوّل لها ، فقال : ( ولأنه لو كان للفلك دوران لا نهاية له لكان لا يخلو عددها عن أن يكون شفعا ووترا جميعا ) أي زوجا وفردا ( أو لا شفعا ولا وترا ، ومحال أن يكون شفعا ووترا جميعا ) أي زوجا وفردا ( أو لا شفعا ولا وترا ، ومحال أن يكون شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا فإن ذلك جمع بين النفي والاثبات ) وهما ضدان . ( إذ في اثبات أحدهما نفي الآخر وفي نفي أحدهما إثبات الآخر ، ومحال أن يكون شفعا ) فقط ( لأن الشفع يكون وترا بزيادة واحد ) أي إذا ضم على العدد المشفوع آخر صار باعتبار ذلك وترا ( فكيف يعوز ما لا نهاية له واحد ) وفي نسخة يعوزها واحد ( مع أنه لا نهاية لأعدادها ، فحصل من هذا ان العالم لا يخلو من الحوادث فهو إذا حادث ) أي حصل مما قرر أولا أن وجود الحادث الحاضر محال لأنه لازم للمحال وهو وجود حوادث لا أوّل لها ، لكن الحادث الحاضر ثابت ضرورة فانتفى ملزومه وهو وجود حوادث لا أوّل لها فلإنتفاء وجود حوادث لا أوّل لها انتفى ملزومه ، وهو كون ما لا يخلو من الحوادث قديما فثبت نقيضه وهو ما لا يخلو عن الحوادث حادث . ( وإذا ثبت حدوثه كان افتقاره إلى المحدث ) أي الموجد ( من المدركات بالضرورة ) كما قدمه في صدر الاستدلال . وذلك الموجد هو اللّه سبحانه المقصود بالاسم الذي هو اللّه ، فاللّه اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال الذي يستند إليه إيجاد كل موجود .