. . . . . . . . . .
شرح
وقال إمام الحرمين شيخ المصنف في لمع الأدلة : حدوث الجواهر بني على أصول : منها اثبات الاعراض ، ومنها اثبات حدوثها ، ومنها استحالة تعري الجواهر منها ، ومنها إثبات استحالة حوادث لا أوّل لها ، ومنها أن ما لا يسبق الحوادث حادث . ثم بين ذلك في أصول إلى أن قال :
وأما إيضاح استحالة حوادث لا أوّل لها ، فالدليل على ذلك أن دورات الأفلاك تتعاقب وتقع كل دورة على أثر انقضاء التي قبلها ، فلو انقضى قبل الدورة التي نحن فيها دورات لا نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها لكان ذلك مؤذنا بانتهاء ما لا نهاية لها . إذ ما لا يحصره عدد ولا يضبطه حد لا يتقرر في العقول انقضاؤه ولا يتحقق في الأوهام انتهاؤه ، فلما انقضت الدورات التي قبل الدورة الناجزة دل ذلك على نهاية أعدادها ، وإذا تناهت انتهت إلى أوّل ، ويطرد هذا الدليل في جملة المتعاقبات كالأولاد والوالدين والبذر والزرع ونحوها ، فإذا ثبتت هذه المقدمات ترتب عليها استحالة خلوا الجواهر من الحوادث المستندة إلى أوّل ، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها وما لا يسبق الحوادث حادث على اضطرار من غير حاجة إلى نظر واعتبار اه .
وقال شارحه شرف الدين بن التلمساني : اعلم أن هذه الحجة إلزامية لا برهانية فإنا لا يمكننا الاحتجاج بها على صحة مذهبنا ابتداء ، فإنها تطرأ في نعيم الجنان فإنه يمكن أن تقتطع منه عشر دورات مثلا ، ثم تطابق ما بين الجملتين ويطرد الدليل إلى آخره ولأنا نقول إن علمه تعالى يتعلق بما لا نهاية له ، وكذلك ارادته وقدرته . ومتعلقات العلم أكثر من متعلقات القدرة والإرادة مع أن متعلقات العلم بعضها أكثر من بعض ، وكذلك تضعيف الآحاد والعشرات والمئين والألوف كل مرتبة منها لا تتناهى مع تطرق الزيادة والنقصان والأقل والأكثر ، وأما قوله : فإذا ثبتت هذه المقدمات الخ فواضح إلا أنه يرد عليه أنه ادعى حدوث العالم وفسر العالم بكل موجود سوى اللّه تعالى ، واستدل على حدوث الجواهر والأعراض ، ولا تتم دعواه ما لم يبين انحصار العالم فيها ، فإن الخصم يدعي وجود جواهر عقلية ممكنة في نفسها واجبة بغيرها يسميها عقولا ونفوسا ملكية ويثبتها وسائط ومعدات ، ولم يقم دليلا على إبطالها والجواب من وجهين .
أحدهما : أن القائل قائلان أحدهما يقول بالإيجاب الذاتي وقدم الأجسام وإثبات الوسائط المذكورة وهو الفيلسوف ، والآخر يقول بحدوث الأجسام ونفي الإيجاب الذاتي ونفي الوسائط وهم الموحدون . وقد أقام الدليل على حدوث الأجسام بالاخبار فلزم نفي الإيجاب الذاتي والوسائط المذكورة إذ لا قائل بالفصل .
الثاني : أن تلك العقول والنفوس المجردة لا تخلو إما أن تكون متناهية أو غير متناهية ، فإن كانت غير متناهية لزم أن يدخل الوجود من الممكنات ما لا نهاية له وقد أبطلناه وفي ضمنه اثبات علل ومعلولات لا تتناهى وهم يأبونه ، وإن كانت متناهية محصورة في عدم لزم افتقار ذلك إلى مخصص والمخصص لا يخلو إما أن يكون موجبا بالذات أو فاعلا بالاختيار ، والموجب