يفتقر بالضرورة إلى المخصص ، وأما قولنا : « العالم حادث » ، فبرهانه أن أجسام العالم لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث . ففي هذا البرهان ثلاث دعاوى .
الأولى : قولنا : « إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون » ، وهذه مدركة بالبديهة والاضطرار فلا يحتاج فيها إلى تأمل وافتكار ، فإن من عقل جسما لا ساكنا
شرح
غير مرجح محال . ونقل ابن التلمساني في شرح لمع الأدلة ما نصه : وقد يدعي بعض الأصحاب أن افتقار الترجيح إلى مرجح ضروري ، والصحيح أنه قريب من الضروري ، ( وأما قولنا العالم حادث ) وهي المقدمة الأولى ، والمراد هو ما سوى اللّه تعالى من الموجودات جواهر كانت أو إعراضا فالجوهر ماله قيام بذاته بمعنى أنه لا يفتقر إلى محل يقوم به ، والعرض ما يفتقر إلى محل يقوم به ، وقد يعبر بعضهم بدل الجواهر بالأجسام ، وعليه جرى المصنف وهما في اللغة بمعنى ، وإن كان الجسم أخص من الجوهر اصطلاحا لأنه المؤلف من جوهرين أو أكثر على الخلاف في أقل ما يتركب منه الجسم على ما بين في المطولات ، والجوهر يصدق بغير المؤلف وبالمؤلف إذا تقرر ذلك ، فاعلم أن المصنف قد استدل كغيره لإثبات المقدمة الأولى بحدوث الأجسام المعبر بها عن الجواهر ، وفي ضمن ذلك حدوث الأعراض فإنه إذا ثبت حدوث الأجسام ثبت حدوث الأعراض لا محالة لافتقارها في تحققها إلى الأجسام ، ( فبرهانه أن أجسام العالم لا تخلو عن الحركة والسكون ) فالحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل تدريجا ويقال شغل حيز بعد أن كان في حيز آخر ، وقيل : كونان في آنين في مكانين كما أن السكون كونان في آن في مكان واحد ، والحركة في الكم انتقال الجسم من كمية إلى أخرى كالنمو والذبول ولا تكون إلا للجسم ، وفي الكيف كتسخن الماء أو تبرده وتسمى حركة استحالة وحركة الأين حركة الجسم من محل إلى آخر وتسمى نقلة ، وحركة الوضع هي المستديرة المتنقل بها الجسم من محل لآخر ، فإن المتحرك بالإستدارة إنما تبدل نسبة أجزائه إلى اجزاء مكانه وهو ملازم لمكانه غير خارج عنه ، والحركة العرضية ما يكون عروضها للجسم بواسطة عروضها لآخر بالحقيقة كجالس السفينة ، والحركة الذاتية ما يكون عروضها لذات الجسم نفسه ، والحركة القسرية ما يكون مبدؤها بسبب ميل مستفاد من خارج كحجر مرمي إلى فوق ، والحركة الإرادية ما لا يكون مبدأها بسبب آخر خارج مقارن للشعور ، والإرادة كحركة الحيوان بإرادته ، والحركة الطبيعية ما لا يحصل بسبب أمر خارج وليس بشعور وإرادة كحركة الحجر إلى السفل ، والسكون عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك فعدم الحركة عما من شأنه أن لا يتحرك لا يكون سكونا فالموصوف بهذا لا يكون متحركا ولا ساكنا ( وهما حادثان وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ففي هذا البرهان ثلاث دعاوي ) جمع دعوى وهو قول يطلب به الإنسان إثبات حق .
( الأوّل : أن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهذه ) ظاهرة ( مدركة بالبديهة والاضطرار فلا تحتاج إلى تأمل وافتكار ، فإن من عقل جسما لا ساكنا ولا متحركا كان