إلا اللّه » وما أمروا أن يقولوا لنا إله وللعالم إله . فإن ذلك كان مجبولا في فطرة عقولهم من مبدأ نشأتهم وفي عنفوان شبابهم ، ولذلك قال اللّه عز وجل :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزمر : 38 ] . وقال تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[ الروم : 30 ] ، فإذا في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان . ولكنا على سبيل الاستظهار والاقتداء بالعلماء النظار نقول : من بديهة العقول أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه ، والعالم حادث فإذا لا يستغني في حدوثه عن سبب .
أما قولنا : « إن الحادث لا يستغنى في حدوثه عن سبب » فجلي فإن كل حادث مختص بوقت يجوز في العقل تقدير تقديمه وتأخيره فاختصاصه بوقته دون ما قبله وما بعده
شرح
فإن ذلك مجبول في فطرة عقولهم من بدء نشأتهم وفي عنفوان شبيبتهم ) ثابتا مركوزا ، ثم استدل على هذا الاعتراف بدليل آخر من القرآن فقال ( ولذلك قال تعالى :وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[ الزمر : 38 ] وقال تعالى :فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً )مائلا عن ضلالتهم( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[ الروم : 30 ] ( فإذا في فطرة الإنسان ) أي ما ركز فيه من قوته على معرفة التوحيد ، ( وشواهد القرآن ) التي تقدمت ( ما يغني عن إقامة برهان ) والبرهان هو الدليل القاطع فهو أخص من الدليل الواضح . وقال الراغب : البرهان أوكد الأدلة وهو ما يقتضي الصدق أبدا لا محالة ، ودلالة تقتضي الكذب أبدا . ودلالة إلى الصدق أقرب ، ودلالة إلى الكذب أقرب ، ودلالة لهما على السواء . واختلفوا في نونه فقيل :
أصلية ، وقيل : زائدة ، وعلى الثاني اشتقاقه من البره وهو البياض سمى الدليل القاطع به لظهوره وسطوعه تخيلا لبياضه وإضاءته ، ولذلك وصفوه بالساطع . ثم لما فرغ المصنف من البراهين النقلية على إثبات وجوده تعالى شرع في بيان البرهان العقلي ، فقال : ( ولكنا على سبيل الاستظهار ) أي التقوية ( والاقتداء بالعلماء النظار ) من المتكلمين نرتب على ذلك دليلا و ( نقول : من بديهة العقول ) ترتيب إثبات وجود الواجب بمقدمتين : إحداهما : العالم حادث . الثانية : ( أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب ) أي لا يستغني عن سبب يحدثه أي يرجح وجوده على عدمه ، ( أما قولنا بأن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب ) وهي المقدمة الثانية ( فجلي ) أي ضروري ، ومعلوم أن ما كان جليا ضروريا لا يستدل لإثباته ، وإنما ينبه عليه وقد نبه عليه بقوله : ( فإن كل حادث ) وهو ما كان معدوما ، ثم وجد أي الممكن ( مختص بوقت يجوز في العقل تقدير تقدمه وتأخره فاختصاصه بوقته دون ما قبله وما بعده ) من الأوقات ( يفتقر بالضرورة إلى مخصص ) ، لأن كلا من تقدمه على ذلك الوقت وتأخره عنه ووقوعه فيه أمر ممكن فلا بد من مرجح لوقوعه في ذلك الوقت على تقدمه وتأخره ، لأن الترجيح من