أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
إلى قوله :
لِلْمُقْوِينَ
[ الواقعة : 58 - 73 ] ، فليس يخفى على من معه أدنى مسكة من عقل إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآيات ، وأدار نظره على عجائب خلق اللّه في الأرض والسماوات وبدائع فطرة الحيوان والنبات أن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره ، بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصرفة بمقتضى تدبيره . ولذلك قال اللّه تعالى :
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ إبراهيم :
10 ] ، ولهذا بعث الأنبياء صلوات اللّه عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا « لا إله
شرح
الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ * أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ * أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ * نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ[ الواقعة : 58 - 73 ] ( فليس يخفى على من معه أدنى مسكة ) بضم الميم العقل . يقال : ليس له مسكة أي عقل ، وليس به مسكة أي قوة ( إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآيات ) الكريمة ( وأدار نظره على عجائب خلق الأرض والسماوات ) وما بينهن ( وبدائع فطرة الحيوان والنبات ) وسائر ما اشتملت عليه الآيات ( أن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم ) الغريب ( لا يستغني ) كل منها ( عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره ) .
وعبارة المسايرة عن صانع أوجده أي من هذا العدم وحكيم رتبه أي على قانون أودع فيه من الحكم ، ( بل تكاد فطرة النفوس ) وجبلتها ( تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصرفة بمقتضى تدبيره ) وعلى هذا درجت كل العقلاء إلا من لا عبرة بمكابرته وهم بعض الدهرية وإنما كفروا بالإشراك بأن دعوا مع اللّه إلها آخر كالمجوس بالنسبة إلى النار ، والوثنيين بسبب الأصنام ، والصابئة بسبب الكواكب حيث عبدوها من دون اللّه تعالى وكفروا أيضا بنسبة بعض الحوادث إلى غيره تعالى كهؤلاء أيضا ، فإن المجوس ينسبون الشر إلى أهرش ، والوثنيين ينسبون بعض الآثار إلى الأصنام ، والصابئين ينسبون بعض الآثار إلى الكواكب تعالى اللّه عما يشركون والكل معترفون بأن خلق السماوات والأرض والألوهية الأصلية للّه تعالى ، ( ولذلك ) أي لكون الاعتراف بما ذكر ثابتا في فطرهم ( قال اللّه تعالى :أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [ إبراهيم : 10 ] أي مبتدعها ومنشئها من غير مثال احتذاه ( يدعوكم ) أي إلى توحيده ، ( وبهذا بعث الأنبياء كلهم بدعوة الخلق إلى التوحيد ) ولم يسمع منهم إلا ذلك ، والمراد من التوحيد هنا عدم التشريك في الألوهية وخواصها كتدبير العالم واستحقاق العبادة وخلق الأجسام بدليل قوله : ( ليقولوا لا إله إلا اللّه ) ويشهدوا بذلك ، ( وما أمروا أن يقولوا لنا إله وللعالم إله ،