تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
طريق الاعتبار ما أرشد إليه القرآن ، فليس بعد بيان اللّه سبحانه بيان ، وقد قال تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً * وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً * وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً *
شرح
في هذه العشرين أم لا ؟ والصحيح أنها تابعة لكمالاته وكمالاته لا نهاية لها ، لكن العجز عن معرفة ما لم ينصب لنا عليه دليل عقلي ولا نقلي ولا نؤاخذ به بفضل اللّه تعالى ، ومفهومه أن ما قام عليه الدليل نؤاخذ بتركه وهي هذه العشرون صفة ، ومعنى كمالاته لا نهاية لها هل هو باعتبار علمنا أو باعتبار علم اللّه تعالى ؟ أما باعتبار علمنا فظاهر لنقصه وضعفه ، وإما باعتبار علم اللّه فمعناه علمها على ما هي عليه من عدم النهاية . ويحتمل أن تكون لا نهاية لها باعتبار لغة العرب لأن العرب إذا كثر الشيء يحكمون عليه بعدم النهاية وإن كان في نفسه متناهيا ، كما تقول غنم فلان لا حصر لها . ويحتمل أن تكون حكم عليها بعدم النهاية مراعاة للنفسية والسلبية لأنها لا نهاية لها . وأما المعاني والمعنوية فهي متناهية لأن كل ما دخل في الوجود فهو متناه فتضم ما يتناهى وهي المعاني والمعنوية إلى ما لا يتناهي وهي النفسية والسلبية وتحكم على الجميع بعدم النهاية . وأعلم أن هذه الصفات العشرين في الحقيقة أقسام أربعة : نفسية ، وسلبية ، ومعان ، ومعنوية ، وهذا على القول بثبوت الأحوال والأصح أنه لا حال وحينئذ تكون الأقسام ثلاثة وعليه درج غالب المتكلمين ، فالأول من الصفات العشرين النفسية الوجود وهي التي أشار لها المصنف بقوله الأصل الأول معرفة وجوده ولم يمثلوا للنفسية بغير الوجود ، واتفقوا على تقديمه على غيره من الصفات لكونه كالأصل لها . إذ وجوب الواجبات له تعالى واستحالة المستحيلات عليه وجواز الجائزات في حقه كالفرع عنه ، وإنما قلنا كالأصل ولم نقل أصلا لان الوجود لو كان أصلا حقيقة للزم حدوث بقية الصفات ، لأن الأصل يتقدم على الفرع وليس كذلك ، والوجود صفة نفسية على المشهور لا توصف بالوجود أي في الخارج ولا بالعدم أي في الذهن ، لأنها من جملة الأحوال عند القائل بها وهي الحال الواجب للذات ما دامت الذات غير معللة بعلة ، كالتحيز مثلا للجرم فإنه واجب للجرم ما دام الجرم ، وليس ثبوته له معللا بعلة ، وقوله الحال أخرج المعاني والسلبية ، وقوله غير معللة بعلة أخرج الأحوال المعنوية ، ككون الذات عالمة وقادرة ومريدة مثلا ، فإنها معللة بقيام العلم والقدرة والإرادة بالذات . وأعلم أن لفظ الوجود مشترك بين الواجب والممكن والفرق بينهما أن اللّه سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن الوجود ، فاللّه تعالى موجود واجب الوجود ، فلو قال قائل : ما الدليل على وجوده تعالى ؟ فأشار المصنف إلى الجواب بأن له دليلين نقلي وعقلي وقدم النقلي فقال : ( وأول ما يستضاء به من الأنوار ويسلك من طريق الاعتبار ما أرشد اللّه به ) إلى وجوده ( عباده في القرآن ) العزيز ، ( فليس بعد بيان اللّه بيان ) أرشدهم فيه بالآيات الدالة على وجوده تعالى ، ( وقد قال تعالى :أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) أي كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد ليقوم عليه ( والجبال أوتادا ) للأرض ولولاها لما استقرت ( وخلقناكم أزواجا ) ذكرا وأنثى ( وجعلنا نومكم سباتا ) قطعا من الإحساس والحركة استراحة للقوى الحيوانية وإزاحة لكلالها ( وجعلنا الليل لباسا ) غطاء يستتر