فجمعوا بالقول بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول ، وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » ليس له طائل ولا محصول ان لم تتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة من الأقطاب والأصول ، وعرفوا أن كلمتي الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله واثبات صفاته واثبات أفعاله واثبات صدق الرسول ، وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة ويدور كل ركن منها على عشرة أصول :
شرح
عقولهم فأولوا وبدلوا ( و ) تمسكوا ( من سير الأولين وعقائدهم ) على اختلافها ( بالمنهج ) وفي بعض النسخ بالنهج وهو الطريق ( المبين ) الواضح المسلوك أي سبروا في سير الأولين ونحلهم التي انتحلوها فما وافق الكتاب والسنة وآثار السلف أخذوا به وما خالف تركوه ، ( فجمعوا القول بين نتائج العقول ) أي ما تنتجه العقول السليمة عن الأهواء والشكوك ( وقضايا الشرع المنقول ) أي التي قضى بها الشرع ، ونقل لنا ذلك الثقات ، والقضية قول يصح أن يقال لقائله صادق أو كاذب فيه وفيه تلميح إلى رفع شأن أهل النظر والبحث في العقائد على مقتضى الكتاب والسنة حيث جمعوا بين العقل والنقل .
وقد تقدم النقل عن السبكي في خطبة هذا الكتاب أن اليونان طلبوا العلم بمجرد عقولهم ، والمتكلمون طلبوه بالعقل والنقل معا ، وافترقوا ثلاث فرق . إحداها غلب عليها جانب العقل وهم المعتزلة . والثانية : غلب عليها جانب النقل وهم الحشوية . والثالثة : غلب الأمران عندها وهم الأشعرية ، وجميع الفرق الثلاثة في كلامها مخاطرة إما خطأ في بعضه ، وإما سقوط هيبة . والسالم عن ذلك كله ما كان عليه الصحابة والتابعون وعموم الناس الباقون على الفطرة السليمة اه .
( وتحققوا أن النطق ) باللسان ( بما تعبدوا به من قول ) هذه الكلمة الطيبة ( لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( ليس له طائل ) أي نفع ( ولا محصول ) يتحصل منه ( إن لم تتحقق الإحاطة ) أي المعرفة التامة ( بما تدور عليه ) أرحية ( هذه الشهادة من الأقطاب والأصول ) وقطب الرحى ما تدور عليه ، والمراد هنا من الأقطاب والأصول الأركان ، ( وعرفوا أن كلمتي الشهادة ) المذكورتين ( على إيجازها ) واختصارها ( تتضمن ) سائر العقائد الدينية المذكورة فيما بعد إجمالا . وتفصيل ذلك أن معنى الألوهية استغناء الإله عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه ، فدخل فيه ( إثبات ذات الإله وإثبات صفاته ) كلها السبعة ولوازمها ( وإثبات أفعاله ) ودخل تحت قولنا محمد رسول اللّه ( إثبات صدق الرسل ) عليهم السّلام والأمانة والتبليغ وأضدادها ، وجملتها اثنان وستون عقيدة على ما تقدم تفصيلها في أواخر الفصل الأول ( فعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة ) وهو استعارة بالكناية لأنه شبه الإيمان بمبنى له دعائم فذكر المشبه وطوى ذكر المشبه به وذكر ما هو من خواص المشبه به وهو البناء ويسمى هذا استعارة ترشيحية ، ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية بأن تمثل حالة