تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وسميناه « الرسالة القدسية في قواعد العقائد » وهي مودعة في هذا الفصل الثالث من هذا الكتاب .
شرح
حررناه لأهل القدس ) الشريف حين وفد عليه زائرا ومجاورا ، وذلك في أيام سياحته وتركه علائق الدنيا وخروجه من بغداد ، ( وسميناه ) لأجل ذلك ( الرسالة القدسية ) اسما دالا على مسماه ، ( وهي ) كما ترى ( مودعة في هذا الفصل الثالث من هذا الكتاب ) . وأعلم أن للمصنف عدة رسائل مختصرة أرسلها إلى بلدان شتى متضمنة على صريح الإعتقاد والمواعظ والنصائح ، فمنها رسالة أرسلها إلى الموصل مسماة بالقدسية أيضا يخاطب فيها بعض المشايخ وهي نحو ثلاثة أوراق ذكر في آخرها ما نصه : وأما أقل ما يجب على المكلفين فهو ما يترجمه قول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، ثم إذا صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فينبغي أن يصدقه في صفات اللّه عز وجل ، وفي اليوم الآخر ، وكل ذلك مما يشتمل عليه القرآن من غير تأويل ، أما في الآخرة فالإيمان بالجنة والنار والحساب وغيره ، وأما صفات اللّه تعالى أنه حي قادر عالم متكلم مريد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وليس عليه بحث عن حقيقة هذه الصفات ، وأن الكلام والعلم وغيرهما قديم أو حادث ، بل لو كان لا يخطر له هذه المسألة حتى مات مات مؤمنا وليس عليه تعلم الأدلة التي حررها المتكلمون ، بل مهما حصل في قلبه التصديق بالحق بمجرد الإيمان من غير دليل وبرهان ، فهو مؤمن ولم يكلفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر من ذلك ، وعلى هذا الإعتقاد المجمل استمر الأعراب وعوام الخلق إلا من وقع في بلدة يقرع سمعه فيها هذه المسائل ، كقدم الكلام وحدوثه ، ومعنى الاستواء أو النزول وغيره ، فإن لم يجد لذلك أثرا في قلبه واشتغل بعبادته فلا حرج عليه ، وإن أخذ ذلك بقلبه فأقل الواجبات عليه ما اعتقده السلف ، فيعتقد في القرآن القدم كما قال السلف : القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، ويعتقد أن الاستواء حق والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة والكيفية مجهولة ، ويؤمن بجميع ما جاء به الشرع إيمانا مجملا من غير بحث على الحقيقة والكيفية فإن لم يقنعه ذلك وغلب على قلبه الاشكال والشك فإن أمكن إزالة شكه وأشكاله بكلام قريب من الإفهام وإن لم يكن قويا عند المتكلمين ولا مرضيا عندهم ، فذلك كاف ولا حاجة به إلى تحقق الدليل ، بل الأولى أن يزال شكه من غير ذكر حقيقة الدليل ، فإن الدليل لا يتم إلا بذكر الشبهة والجواب عنها . ومهما ذكرت الشبهة لم يؤمن أن تتشبث بقلبه وبكل فهمه عن درك جوابها إذ الشبهة قد تكون جلية والجواب دقيقا لا يحتمله فهمه بل عقله ، فلهذا زجر السلف عن البحث والتفتيش في الكلام ، وإنما زجروا عنه ضعفاء العوام ، فأما المشتغلون بدرك الحقائق فلهم خوض غمرة الإشكالات ، ومنع العوام من الكلام يجري مجرى منع الصبيان على شاطىء الدجلة خوف الغرق ، ورخصة الأقوياء فيه يضاهي الرخصة للماهر في صفة السباحة إلا أن هنا موضع غور ومذلة قدم ، وهو ان كل ضعيف في عقله راض من اللّه بكمال عقله ويظن بنفسه أنه يقدر على درك الحقائق كلها وأنه من جملة الأقوياء ، فربما يخوضون ويغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون ، فالصواب للخلق كلهم إلا الشاذ