تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الدين ، وجنبهم زيغ الزائغين وضلال الملحدين ، ووفقهم للاقتداء بسيد المرسلين ، وسددهم للتأسي بصحبة الأكرمين ، ويسر لهم اقتفاء آثار السلف الصالحين حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين ومن سير الأوّلين وعقائدهم بالمنهج المبين ،
شرح
( الذي ميز عصابة أهل السنة ) التمييز مبالغة في الميز وهو عزل الشيء وفصله عن غيره ، وذلك يكون في المشتبهات كقوله تعالى :لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[ الأنفال : 37 ] وفي المختلطات نحو قوله :وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ[ يس : 59 ] وتميز الشيء انفصل عن غيره ، ويستعمل تمييز الأشياء في تفريقها بعد معرفتها ، والعصابة بالكسر الجماعة من الناس ، والسنة الطريق المسلوكة ، والمراد بها طريقة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ، والمراد بأهل السنة هم الفرق الأربعة المحدثون والصوفية والأشاعرة والماتريدية على ما تقدم بيانه في مقدمة الفصل الثاني . ( بأنوار اليقين ) أي : فصلهم عن غيرهم بهذه الأنوار التي أشرقت في صدورهم ثم التمعت في وجوههم فهم بها عن غيرهم متميزونسِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ[ الفتح : 29 ] وأما أهل البدع فلا زالو يعرفون بظلام قلوبهم ووجوههمفَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ[ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : 30 ] ( وآثر ) بالمد أي أختار ( رهط الحق ) . قال ابن السكيت : الرهط والعشيرة بمعنى ، وقال الأصمعي في كتاب المصادر : الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين ، ونقله ابن فارس أيضا ، والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره سواء كان قولا أو فعلا أو عقيدة أو دينا أو مذهبا ( بالهداية ) وهي دلالة بلطف إلى ما يوصل ( إلى ) المطلوب وذلك المطلوب هنا إقامة ( دعائم الدين ) أي أركانه جمع دعامة بالكسر وهي ما يشد به الحائط إذا مال يمنعه السقوط ، والدين وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول ، ( وجنبهم زيغ الزائغين ) الزيغ : الميل عن الإستقامة والخروج عن نهج الحق ، والمراد بالزائغين هم أهل البدع القبيحة الذين أحدثوا في العقائد بمجرد التشهي ما يؤدي إلى تشبيه أو تعطيل ( وضلال الملحدين ) أي غوايتهم ، والملحد المائل عن الحق ، والإلحاد ضربان : إلحاد إلى الشرك باللّه ، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأول : ينافي الإيمان ويبطله ، والثاني يوهي عراه ولا يبطله . والإلحاد في أسمائه تعالى على وجهين . أحدهما : أن يوصف بما لا يصح وصفه به . والثاني : أن تتأول أوصافه على ما لا يليق به ، ( ووفقهم ) التوفيق تفعيل من الوفاق الذي هو المطابقة وعدم المنافرة واختص في العرف بالخير ( للاقتداء ) أي الاتباع ( بسيد المرسلين ) صلّى اللّه عليه وسلّم في سائر أقواله وأفعاله وأحواله ، ( وسددهم ) وهو من السداد وهو الوفق الذي لا يعاب ( للتأسي ) أي الاقتداء والإسوة بالكسر والضم القدوة ، وقيل : التأسي اتباع الغائب ( بصحبة الأكرمين ) أي المشرفين بمشاهدة أنواره وأسراره ، ( ويسر لهم ) أي سهل لهم ( اقتفاء ) أي اتباع ( آثار السلف الصالحين ) من التابعين وأتباعهم بإحسان ، وأصل السلف من تقدم من الآباء والجدود . وفي العرف الطبقة الثالثة ويطلق على الثانية أيضا ( حتى اعتصموا ) أي وثقوا ( من مقتضيات ) أي مما تقتضيه ( العقول ) المجردة عن الشرع ( بالحبل المتين ) أي القوي الذي لا ينقطع بمن تعلق به واستمسك ، وبهذا المعنى جاءت صفة القرآن في الحديث ، وفيه تلميح الرد على المعتزلة والفلاسفة فإنهم تصرفوا في الألفاظ بمقتضى