. . . . . . . . . .
شرح
عن معناه ولا يخوض فيه ويعلم أن سؤاله عنه بدعة . وأما الإمساك ؛ فهو أن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتبديل بلغة أخرى والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق ، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الايراد والإعراب والتصريف والصيغة . وأما الكف ؛ فإن يكف باطنه من البحث والتفكر والتصرف فيه . وأما التسليم لأهله ، فإن يعتقد أن ذلك إن خفي عليه لعجزه فقد لا يخفى على الرسل عليهم السّلام أو على الصديقين والأولياء . فهذه سبعة وظائف لا ينبغي أن يظن بالسلف الخلاف في شيء منها . ثم قال بعد كلام طويل ، ولهذا أقول : يحرم على الوعاظ على رؤوس المنابر الجواب عن هذه الأسئلة بالخوض في التأويل والتفصيل ، بل الواجب عليهم الاقتصار على ما ذكره السلف وهو المبالغة في التقديس والتنزيه ونفي التشبيه ، وأنه تعالى منزه عن الجسمية وعوارضها ، وله المبالغة في هذا بما أراد حتى يقول : كل ما يخطر في بالكم وهجس في ضمائركم وتصوّر في خواطركم فاللّه تعالى خالقها وهو منزه عنها وعن مشابهتها ، وإنه ليس المراد بالأخبار شيئا من ذلك ، وإما هو حقيقة المراد فلستم من أهل معرفته والسؤال عنه بدعة فاشتغلوا بالتقوى ، وما أكرمكم اللّه به فافعلوه وما نهاكم عنه فاجتنبوه ، وهذا قد نهيتم عنه فلا تسألوا عنه ، ومهما سمعتم شيئا من ذلك فاسكتوا وقولوا : آمنا وصدقنا وما أوتينا من العلم إلّا قليلا ، وليس هذا مما أوتينا ، وقال أيضا في التأويل : هو بيان معناه بعد إزالة ظاهره ، وهذا إما أن يقع من العامي ، أو من العارف مع العامي ، أو من العارف مع نفسه بينه وبين ربه . فهذه ثلاثة مواضع .
الأول : تأويل العامي على سبيل الاستقلال بنفسه وهو حرام يشبه خوض البحر لمغرق لمن لا يحسن السباحة ، فلا شك في تغريقه ، وبحر المعرفة أبعد غورا وأكثر مهالك من بحر الماء ، لأن هلاك هذا البحر لا حياة بعده ، وهلاك بحر الدنيا لا يزيل إلا الحياة الزائلة وذلك يزيل الحياة الأبدية فشتان بين الخطرين .
الموضع الثاني : أن يكون ذلك من العالم مع العامي ، وهذا أيضا ممنوع ومثاله : أن يجر السابح الغوّاص مع نفسه عاجزا عن السباحة مضطرب القلب والبدن وذلك حرام ، فإنه عرضة لخطر الهلاك فإنه لا يقوى على حفظه في لجة البحر ، ولو أمره بالوقوف بقرب الساحل لا يطيعه ، ولو أمره بالسكون عند التطام الأمواج واقبال التماسيح فاتحة فاها للالتقام اضطرب قلبه وبدنه ولم يكن على حسب مراده لقصور طاقته ، وفي معنى العوام الأديب النحوي ، والمحدث ، والمفسر ، والفقيه ، والمتكلم ، بل كل عالم سوى المتجردين لعلم السباحة في بحر المعرفة القاصرين أعمارهم عليه ، الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات ، المعرضين عن المال والجاه والخلق وسائر اللذات ، المخلصين للّه تعالى في العلوم والأعمال ، القائمين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات ، المفرغين قلوبهم من غير اللّه ، المستحقرين للدنيا بل للآخرة والفردوس الأعلى في جنب محبة اللّه تعالى . فهؤلاء هم أهل الغوص في بحر المعرفة ، وهم مع ذلك كله على خطر عظيم يهلك من العشرة تسعة إلى أن يسعد واحد منهم بالدر المكنون والسر المخزون أولئك