. . . . . . . . . .
شرح
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى[ الأنبياء : 101 ] ، فهم الفائزون وربك أعلم بما تكن صدورهم وما يعلمون .
الموضع الثالث : تأويل العارف مع نفسه في سر قلبه بينه وبين ربه وهو على ثلاثة أوجه . فإن الذي انقدح في سره أنه المراد من لفظ الفوق والاستواء مثلا إما أن يكون مقطوعا به ، أو مشكوكا فيه ، أو مظنونا ظنا غالبا ، فإن كان قطعيا فليعتقده ، وإن كان مشكوكا فليتجنبه ولا يحكمن على مراد اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من كلامه باحتمال معارض بمثله من غير ترجيح ، بل الواجب على الشاك في المشكوك فيه التوقف ، وإن كان مظنونا فاعلم أن للظن تعلقين . أحدهما : في المعنى الذي انقدح عنده هل هو جائز في حق اللّه تعالى أم هو محال ؟ والثاني : أن يعلم قطعا جوازه ولكن يتردد هل هو المراد باللفظ أم لا . وبينهما تفاوت لأن كل واحد من الظنين إذا انقدح في النفس وحاك في الصدر ، فلا يدخل تحت الاختيار دفعه على النفس ، فلا يمكنه أن لا يظن ، فإن للظن أسبابا ضرورية ولا يمكن دفعها ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] لكن عليه وظيفتان جديدتان . إحداهما : لا يدع نفسه تطمئن إليه جزما من غير شعور بإمكان الغلط فيه ، فلا ينبغي أن يحكم مع نفسه بموجب ظنه حكما جازما ، والثانية : أنه ان ذكره لم يطلق القول بأن المراد بالاستواء كذا وبالفوق كذا لأنه حكم لما لا يعلم ، وقد قال :وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[ الاسراء : 36 ] لكن يقول أنا أظن أنه كذا فيكون صدقا في خبره عن نفسه وعن ضميره ولا يكون حكما على صفة اللّه تعالى ولا على مراده وكلامه ، بل حكما على نفسه وبناء على ضميره ثم أورد في بيان التصرفات الممنوعة الجمع بين المفترقات والتفريق بين المجتمعات فقال : ولقد بعد من التوفيق من صنف كتابا في جميع هذه الأخبار خاصة ، ورسم في كل عضو بابا فقال : باب في اثبات الرأس ، وباب في اثبات اليد ، وباب في اثبات العين وغير ذلك . فإن هذه كلمات متفرقة متباعدة اعتمادا على قرائن مختلفة في فهم السامعين معاني صحيحة ، فإذا ذكرت مجموعة على مثال خلق الإنسان صار جميع تلك المتفرقات في السمع دفعة واحدة قرينة عظيمة في تأكيد الظواهر وايهام التشبيه ، وصار الإشكال في أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينطق بما يوهم خلاف الحق أعظم في النفس وأوقع ، بل الكلمة الواحدة المفردة يتطرق إليها الاحتمال ، فإذا اتصل بها ثانية وثالثة ورابعة من جنسها وصار متواليا ضعف بالإضافة إلى الجملة ، ولذلك يحصل بقول مخبرين وثلاثة ما لا يحصل بقول الواحد ، بل يحصل من العلم القطعي بخبر التواتر ما لا يحصل بالآحاد ، ويحصل من العلم القطعي باجتماع القرائن ما لا يحصل بالآحاد . وكل ذلك نتيجة الاجماع إذ يتطرق الاحتمال والضعف إلى قول كل عدل وإلى كل واحدة من القرائن فإذا اجتمعت انقطع الاحتمال والضعف فلذلك لا يجوز جمع المتفرقات . وأما التفريق بين المجتمعات فإنه كذلك لا يجوز لأن كل حكمة سابقة على حكمه أو لا حقة له مؤثرة في تفهيم معناه ومرجحة للاحتمال الضعيف فيه ، فإذا فرقت وفصلت سقطت دلالتها مثاله قوله تعالى :وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ[ الأنعام : 18 ] ولا يسلط على أن يقول القائل وهو فوق مطلقا لأنه إذا ذكر القاهر مع