تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
يحرق الجلود ويذيب الشحوم . ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة وردوه إلى آلام عقلية وروحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس ، وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدرك بالحس ، وهؤلاء هم المسرفون . وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع ، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه وما خالف أوّلوه ، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم . ولا يتعين له موقف . والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل رحمه اللّه ، والآن فكشف الغطاء عن
شرح
أجساد الكفار والعصاة ( ويمزق الجلود ويذيب الشحوم ) ، ولا قائل بخلق الجنة دون النار فثبوتها ثبوتها . وقد أجمع العلماء على أن التأويل في أكثر أمور الآخرة من غير ضرورة إلحاد في الدين ، ( ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة ) وهم حكماء اليونان وإليهم نسبت الفلسفة ، ( فأوّلوا كل ما ورد في ) أمور ( الآخرة وردوها إلى آلام عقلية وروحانية ) غير محسوسة ( ولذات عقلية ، وأنكروا حشر الأجساد ) مطلقا واستبعدوه ( وقالوا ببقاء النفوس ) المجردة ( وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدرك بالحس ) ، وإنما بتعقل . ( وهؤلاء هم المسرفون ) المفرطون ، ( وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال ) عن ربقة الشريعة ( وبين جمود الحنابلة ) ووقوفهم على السمع المجرد ( دقيق غامض ) المدرك خفي ( لا يطلع عليه إلا الموفقون ) من الأزل ( الذين يدركون الأمور بنور إلهي ) قذف في بصائرهم ( لا بالسماع ) المجرد من العقل ، ( ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور ) بواسطة ذلك النور واتضحت الأشياء على ما هي عليها ( نظروا إلى السمع ) المتلقي من الثقات ( والألفاظ الواردة ) في تلك الأخبار الصحيحة ، ( فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين أقروه ) وأثبتوه ، ( وما خالف ) ذلك ( أوّلوه ) بما يقتضيه أسلوب اللغة العربية ، ( فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد ) عن العقل ( فلا يستقر له قدم ) فيه ( ولا يتعين له موقف ) يطمئن إليه ، ( والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام ) سيدنا ( أحمد بن حنبل رحمه اللّه تعالى ) وهو طريقة السلف . وقد ذكر المصنف في إلجام العوام أنها تتضمن سبعة أمور : التقديس ، ثم التصديق ، ثم الاعتراف بالعجز ، ثم السكوت ، ثم الكف ، ثم الامساك ، ثم التسليم لأهل المعرفة ، ثم بين ذلك بقوله : التقديس : فهو تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها . وأما التصديق ؛ فهو الايمان بما قاله صلّى اللّه عليه وسلّم وأن ما ذكره حق على الوجه الذي قاله وأراده . وأما الاعتراف بالعجز فهو أن يقر بأن معرفة مراده ليس على قدر طاقته . وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته . وأما السكوت فإن لا يسأل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 134 | مرتضى الزبيدي