تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
لأوهم عند أكثر الخلق عجزا إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل ذلك الوهم عنهم ، ولو قال قائل : إن القيامة لو ذكر ميقاتها وأنها بعد ألف سنة أو أكثر أو أقل لكان مفهوما ، ولكن لم يذكر لمصلحة العباد وخوفا من الضرر ، فلعل المدة إليها بعيدة فيطول الأمد وإذا استبطأت النفوس وقت العقاب قلّ اكتراثها ، ولعلها كانت قريبة في علم اللّه سبحانه ، ولو ذكرت لعظم الخوف وأعرض الناس عن الأعمال وخربت الدنيا ، فهذا المعنى لو اتجه وصح فيكون مثالا لهذا القسم . القسم الثالث : أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر ، ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب وله مصلحة في أن يعظم وقع ذلك الأمر في قلبه ، كما لو قال قائل : رأيت فلانا يقلد الدر في أعناق الخنازير ، فكني به عن إفشاء العلم وبثّ الحكمة إلى غير أهلها ، فالمستمع قد
شرح
تعالى : ( إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل ذلك الوهم ) ويصرفه عنهم بأوّل وهلة ، فلذلك جاء الأمر بالكتمان في بعض الحقائق دون بعض . ( ولو قال قائل : إن القيامة لو ذكر ميقاتها ) المعلوم ( وأنها ) تقوم ( بعد ) مضي ( ألف سنة ) من الهجرة مثلا ( أو أكثر أو أقل لكان ذلك مفهوما ) أي معلوما في الأذهان ، ( ولكن لم يذكر ) ذلك نظرا ( لمصلحة العباد وخوفا من ) وقوع الناس في ( الضرر ) والفساد ، ( فلعل المدة إليها بعيدة فيطول الأمد ) فتقسو قلوبهم ( وإذا استبطأت النفوس ) البشرية ( العقاب ) وعلمته بعيدا ( قل اكتراثها ) في أمور الآخرة ، ( ولعلها كانت قريبة في علم اللّه تعالى و ) لكن ( لو ذكرت ) أي ذكر ميقاتها ( لعظم الخوف ) وامتلأت الصدور من الرهبة ( وأعرض الناس عن الأعمال ) الخيرية ( وخربت الدنيا ) وبطل نظامها فلأجل هذه النكتة أخفي أمرها ، ( فهذا المعنى لو اتجه وصح فيكون مثالا لهذا القسم ) الثاني في أن أصل ذلك مفهوم لا يكل الفهم عنه ، ولكن ذكره مضر بالأكثرين . ( القسم الثالث : أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحا ) ظاهرا ( لفهم ) معناه ( ولم يكن فيه ضرر ) يصيب السامع ، ( ولكن يكنى عنه ) أي يؤتى بالكناية ( على سبيل الاستعارة والرمز ) أي الإشارة والاستعارة ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه مع طرح ذكر المشبه من البين ( ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب ) وأقوى مما ذكر مصرحا ( وله مصلحة ) ظاهرة ( في أن يعظم وقع ذلك الأمر في قلبه كما لو قال قائل : ) لقيت أسدا يعني رجلا شجاعا ، فلا يخفى أن هذا أوقع في القلب من قوله لقيت رجلا شجاعا وأخصر ، وكذا قوله : ( رأيت فلانا يقلد الدر في أعناق الخنازير فكنى به عن إفشاء العلم ) ونشره ( وبث الحكمة إلى غير أهلها فالمستمع قد يسبق إلى فهمه ) أوّل وهلة