والصديقين . وسر القدر الذي منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم فلا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش وكما تضر رياح الورد بالجعل ، وكيف يبعد هذا وقولنا أن الكفر والزنا والمعاصي والشرور كله بقضاء اللّه تعالى وإرادته ومشيئته حق في نفسه ، وقد أضر سماعه بقوم إذ أوهم ذلك عندهم أنه دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح والظلم ؟ وقد ألحد ابن الراوندي وطائفة من المخذولين بمثل ذلك . وكذلك سر القدر لو أفشي
شرح
في المعرفة الحقيقية ، وأكثر المستمعين لا يخلو إما أن يكون جاهلا فذكره له توريط في الكفر من حيث لا يشعر ، أو عارفا فعجزه عن تفهيمه كعجز البالغ عن تفهيم ولده الصبي مصالح بيت وتدبيره ، بل عن تفهيمه مصلحته في خروجه إلى المكتب ، بل عجز الصانع عن تفهيم النجار دقائق صناعته ، فإن النجار وإن كان بصيرا في صناعته فهو عاجز عن دقائق الصناعة ، فالمشغولون بالدنيا وبالعلوم التي ليست من قبيل معرفة اللّه تعالى عاجزون عن معرفة الأمور الإلهية كعجز كافة المعرضين عن الصناعات وعن فهمها ، ( وسر القدر الذي منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم ) وقد أنكر صلّى اللّه عليه وسلّم على قوم يتكلمون في القدر ويسألون عنه وقال : « أبهذا أمرتم » .
( فلا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق ) مفتنا لهم في دينهم ، ( كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش ) جمع خفاش وهو طائر معروف ، ( وكما تضر رياح الورد بالجعل ) بضم الجيم وفتح العين نوع من الخنافس يدحرج العذرة وقد نظمه ابن الوردي في لاميته بقوله :أيها الجاعل قولي عبثا * إن طيب الورد مؤذ بالجعل( وكيف يبعد هذا وقولنا : أن الكفر والزنا و ) سائر ( المعاصي والشرور بقضاء اللّه تعالى وإرادته ومشيئته حق في نفسه ) أي في حد ذاته ، ( وقد أضر سماعه بقوم ) من المعتزلة ( إذ أوهم ذلك عندهم دلالة على السفه ) ضد الرشد ( ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح والظلم ) ، فنسبوا ذلك إلى فعل العبد وتخليقه فرارا مما أوهموا فيه وتوهموه وسموا أنفسهم بأهل العدل في التوحيد وهم بعيدون عن العدل ، ( وقد ألحد ابن الراوندي ) رجل من مشهوري الملاحدة وله كتاب أيضا في بيان معتقد المعتزلة ، وكلامه محشو بالكفريات يتناشده الناس ، وراوند التي نسب إليها هي قرية بقاشان من أعمال أصبهان وأصلها شيعة . ( وطائفة من المخذولين ) الذين على قدمه في سوء الاعتقاديات ( بمثل ذلك ) أي بمثل قول المعتزلة ، فزعم جمهورهم أن المعاصي كلها كانت من غير مشيئة للّه فيها ، وزعم البغداديون منهم أن اللّه تعالى لم يخلق لأحد شهوة الزنا ولا شهوة شيء من المعاصي ، كما زعموا أنه ما خلق لأحد إرادة المعصية ، وزعم البصريون منهم أنه خالق الشهوات للإنسان الزنا والمعاصي ، ولا يجوز أن يخلق إرادة الزنا والمعصية ، ( وكذلك سر القدر لو أفشي ) أي أظهر ( أوهم أكثر الخلق عجزا ) في قدرة اللّه