. . . . . . . . . .
شرح
حديث أنس ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل : « هل ترى ربك ؟ قال : إني بيني وبينه لسبعين حجابا من نور » . وفي الكبير للطبراني من حديث سهل بن سعد « دون اللّه تعالى سبعون ألف حجاب من نور وظلمة » . ولمسلم من حديث أبي موسى : « حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » . ولابن ماجة « كل شيء أدركه بصره » اه .
قال أبو منصور التميمي في كتابه المذكور : كل خبر ذكر فيه الحجاب فإنه يرجع معناه إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عن رؤية اللّه عز وجل ، وليس الخالق محجوبا عنهم لأنه يراهم ولا يجوز أن يكون مستورا بحجاب لأن ما ستره غيره فساتره أكبر منه ، وليس للّه عز وجل حدّ ولا نهاية فلا يصح أن يكون بغيره مستورا ، ودليله قوله عز وجل :كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[ المطففين : 15 ] ولم يقل إنه محجوب عنهم ، ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي ليلى ، عن علي رضي اللّه عنه أنه مرّ بقصاب فسمعه يقول في يمينه : لا والذي احتجب سبعة أطباق فعلاه بالدرة ، وقال له : يا لكع إن اللّه لا يحتجب عن خلقه بشيء ، ولكنه حجب خلقه عنه ، فقال له القصاب : أولا أكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا إنك حلفت بغير اللّه ، فأما قوله : لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ، فقد تأوّله أبو عبيد على أن المراد به لو كشف الرحمة عن النار لأحرقت من على الأرض ، وكذلك قوله دون اللّه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة معناه أنها أجمع حجاب لغيره لأنه غير محصور في شيء ، وقيل : معناه أن للّه عز وجل علامات ودلالات على وحدانيته لو شاهدها الخلق لقامت مقام العيان في الدلالة عليه ، غير أنه خلق دون تلك الدلائل سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ليتوصل الخلق إلى معرفته بالأدلة النظرية دون المعارف الضرورية اه .
وفصل الخطاب في هذا المقام ما قاله المصنف في مشكاة الأنوار في تفسير هذا الحديث ما نصه : إن اللّه متجلي في ذاته بذاته لذاته ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة ، وان المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام : منهم من يحجب بمجرد الظلمة ، ومنهم من يحجب بالنور المحض ، ومنهم من يحجب بنور مقرون بظلمة ، وأصناف هذه الأقسام كثيرة . ويمكنني أن أتكلف حصرها لكني لا أثق بما يلوح من تحديد وحصر إذ لا أدري أنه المراد بالحديث أم لا .
أما الحصر إلى سبعمائة أو سبعين ألفا فتلك لا يستقل بها إلّا القوّة النبوية مع أن ظاهر ظني ان هذه الأعداد مذكورة للتكثير لا للتحديد ، وقد تجري العادة بذكر أعداد ولا يراد به الحصر بل التكثير ، واللّه أعلم بتحقيق ذلك . وذلك خارج عن الوسع وإنما الذي يمكنني الآن أن أعرفك هذه الاقسام وبعض أصناف كل قسم .
القسم الأوّل : المحجوبون بمحض الظلمة وهؤلاء صنفان ، والصنف الثاني منهما ينقسمون أربعة فرق ، وأصناف الفرقة الرابعة لا يحصون وكلهم محجوبون عن اللّه بمحض الظلمة وهي نفوسهم المظلمة ، والقسم الثاني طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف : صنف منشأ ظلمتهم