تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
فإن يكون حمله على الظاهر غير ممكن كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » . إذ لو فتشنا عن قلوب المؤمنين فلم نجد فيها أصابع فعلم أنها كناية عن القدرة التي هي سر الأصابع وروحها الخفي ، وكني بالأصابع عن القدرة لأن ذلك أعظم وقعا في تفهم تمام الاقتدار ، ومن هذا القبيل في كنايته عن الاقتدار قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] فإن ظاهره ممتنع إذ قوله : « كن » إن كان خطابا للشيء قبل وجوده فهو محال إذ المعدوم لا يفهم الخطاب حتى يمتثل وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين . ولكن لما كانت هذه الكناية أوقع في النفوس في تفهيم غاية الاقتدار عدل إليها ، وأما المدرك بالشرع فهو أن يكون إجراؤه على الظاهر ممكنا ، ولكنه يروى أنه أريد به غير الظاهر كما ورد في تفسير قوله
شرح
( يأن يكون حمله على الظاهر غير ممكن كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » ) أخرجه مسلم من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ، ( فأقره السلف رحمهم اللّه تعالى على ظاهره من غير تفسير ) ، وسيأتي أن الإمام أحمد حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ . أحدها : هذا الحديث كما سيأتي قريبا في كلام المصنف ، ( وخالف فيه قوم ) من المتأخرين فقالوا : لا بد من تأويله ( إذ لو فتشنا عن صدور المؤمنين لم نجد فيها أصابع ، فعلم أنها ليست ) عبارة عن جسم مخصوص بصفات مخصوصة ، والجسم عبارة عن متقدر له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو إلا أن يتنحى عن ذلك المكان ، بل ( كناية عن ) معنى آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا وهي ( القدرة التي هي سر الأصابع وروحها الخفي ) فيها ، ( و ) إنما ( كنى بالأصابع عن القدرة لأن ذلك أعظم وقعا ) في النفوس ( في تفهيم تمام الاقتدار ) فقال : فلان يلاعب فلانا على أصبعه ، أو البلدة الفلانية في أصبع الأمير ، فعلى العامي وغير العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يرد بذلك اللفظ جسما وهو عضو مركب من لحم ودم ، لأن ذلك على اللّه تعالى محال وهو عنه مقدس . ( ومن هذا القبيل في كنايته عن الاقتدار ) أي كمال القدرة ( بقوله تعالى :إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ النحل : 40 ] فإن ظاهره ممتنع إذ قوله : « كن » إن كان خطابا للشيء قبل وجوده فهو محال إذ المعدوم ) الذي لم يوجد بعد ( لا يفهم الخطاب حتى يمتثل ) ، فالامتثال فرع عن فهم الخطاب ، وفهم الخطاب فرع عن أهليته له وذلك فرع عن الوجود فما لا يوجد كيف يخاطب ، ( وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين ) وهو إيجاد شيء مسبوق بمادة ، ( ولكن لما كانت هذه الكناية أوقع في النفوس في تفهم غاية الاقتدار عدل إليها ) أي : الكناية ، فهذا هو الدليل العقلي . ( وأما المدرك بالشرع ) دون العقل ( فهو أن يكون إجراؤه على الظاهر ممكنا ، ولكنه يروى ) من طرق صحيحة ( أنه أريد به غير الظاهر ) مثال هذا ( كما ورد في تفسير قوله ) عز وجل :أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً