يسبق إلى فهمه ظاهر اللفظ ، والمحقق إذا نظر وعلم أن ذلك الإنسان لم يكن معه در ، ولا كان في موضعه خنزير تفطن لدرك السر والباطن فيتفاوت الناس في ذلك ، ومن هذا قال الشاعر :
رجلان خياط وآخر حائك * متقابلان على السماك الأعزل
لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر * ويخيط صاحبه ثياب المقبل
فإنه عبر عن سبب سماوي في الإقبال والإدبار برجلين صانعين ، وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة على النار » . وأنت ترى أن ساحة المسجد لا تنقبض بالنخامة ، ومعناه أن روح المسجد كونه معظما ورمي النخامة فيه تحقير له
شرح
( ظاهره ) الذي هو تقليد الدر في أعناق الخنازير حقيقة ، ( والمحقق ) الكامل ( إذا نظر ) ببصيرته ( وعلم أن ذلك الإنسان لم يكن معه در ) وهو الجوهر المعروف ( ولا كان في موضعه خنزير ) وهو الحيوان المعروف ( تفطن لدرك السر الباطن ) ، فوجده أراد بالدر العلم والحكمة ، وأراد بالخنزير الجهال والبلداء ، وأراد بالتعليق البث والإفادة ( فيتفاوت الناس بذلك ) أي من هنا جاء التفاوت في فهوم الناس ، ( ومن هذا ) القسم ( قال الشاعر :رجلان خياط وآخر حائك * متقابلان على السماك الأوّل )السماك : بالكسر نجم نير وينزله القمر ، وهما سماكان : أعزل ورامح ، وفي بعض النسخ :
السماك الأعزل ورامح ، وفي بعضها على السماء الأوّل .( لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر * ويخيط صاحبه ثياب المقبل )وفي البيت لف ونشر غير مرتب وبين المقبل والمدبر حسن مقابلة ، ( فإنه ) أي الشاعر ( عبّر عن سبب سماوي ) هكذا قالوا ومنسوب إلى السماء ، والهمزة تقلب واوا عند النسب ، وفي نسخة : سمائي ( وفي الاقبال والإدبار برجلين صانعين ) الخياط والحائك ( وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى ) المراد ( بالصور التي تتضمن عين المعنى أو مثله ) وله نظائر كثيرة .
( ومثله قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المسجد لينزوي ) أي ينقبض ( من النخامة ) وهي بالضم ما يلقيه الإنسان من فمه أو أنفه ( كما تنزوي الجلدة عن النار » ) أي عن مماستها . قال العراقي : هذا لم أر له أصلا في المرفوع ، وإنما هو في قول أبي هريرة . رواه ابن أبي شيبة في مصنفه اه .
قلت : ورواه كذلك عبد الرزاق موقوفا على أبي هريرة . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أيضا ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى نخامة في المسجد في القبلة فقال : « ما بال أحدكم مستقبل ربه فينخع أمامه أيحب أحدكم أن يستقبل فينخع في وجهه » . ( وأنت ترى أن ساحة المسجد لا تنقبض بالنخامة و ) الذي يظهر فيه أن ( معناه روح المسجد ، وكونه معظما ) في