تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
القسم الثاني : من الخفيات التي تمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه ، ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر بالأنبياء
شرح
من الحس ، وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال ، وصنف منشأ ظلمتهم عن مقايسات عقلية فاسدة ، وفي الصنف الأوّل طوائف ستة لا يخلو واحد منهم عن مجاوزة الالتفات إلى نفسه والتشوق إلى معرفة ربه ، وفي الصنف الثاني أيضا طوائف وأحسنهم رتبة المجسمة ثم الكرامية ، وفي الثالث أيضا فرق ، فهؤلاء كلهم أصناف . القسم الثاني : الذين حجبوا بنور مقرون بظلمة . والقسم الثالث : هم المحجوبون بمحض الأنوار وهم أربعة أصناف : الواصلون منهم الصنف الرابع ، وهم الذين تجلى لهم أن الرب المطاع موصوف بصفة لا تتناهى في الوحدانية المحضة والكمال البالغ ، وأن نسبة هذا المطاع إلى الموجودات الحسية نسبة الشمس في الأنوار المحسوسة منه فتوجهوا من الذي يحرك السماوات ومن الذي أمر بتحريكها إلى الذي فطر السماوات وفطر الأرض بتحريكها ، فوصلوا إلى موجود منزه عن كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم . إذ وجودهم من قبله فأحرقت سبحات وجهه وجه الأوّل إلا على جميع ما أدركه الناظرون وبصيرتهم إذ وجدوه مقدسا منزها ، ثم هؤلاء انقسموا ، فمنهم من أحرق منه جميع ما أدركه بصره وانمحق وتلاشى ، ولكن بقي هو ملاحظا للجمال والقدس وملاحظا ذاته في جماله الذي ناله بالوصول إلى الحضرة الإلهية ، وانمحقت منه المبصرات دون المبصر ، وجاوز هؤلاء طائفة منهم خواص الخواص فأحرقتهم سبحات وجهه وغشيهم سلطان الجلال وأمحقوا وتلاشوا في ذاته ، ولم يبق لهم لحاظ إلى أنفسهم بفنائهم عن أنفسهم ، ولم يبق إلا الواحد الحق ، وصار معنى قوله تعالى :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[ القصص : 88 ] لهم ذوقا وحالا . فهذه نهاية الواصلين ، ومنهم من لم يتدرج في الترقي والعروج عن التفصيل الذي ذكرناه ولم يطل عليه العروج فسبقوا في أوّل وهلة إلى معرفة القدس وتنزيه الربوبية عن كل ما يجب تنزيهه عنه ، فغلب عليهم أوّلا ما غلب على الآخرين آخرا وهجم عليهم التجلي دفعة فأحرقت سبحات وجهه جميع ما يمكن أن يدركه بصر حسي أو بصيرة عقلية ، ويشبه أن يكون الأوّل طريق الخليل ، والثاني طريق الحبيب صلوات اللّه وسلامه عليهما ، واللّه أعلم بأسرار اقدامهما وأنوار مقامهما . فهذه إشارة إلى أصناف المحجوبين ، ولا يبعد أن يبلغ عددهم إذا فصلت المقامات وتتبع حجب السالكين سبعين ألفا ، وإذا فتشت لا تجد واحدا منهم خارجا عن الأقسام التي حصرناها ، فإنهم إنما يحجبون بصفاتهم البشرية أو بالحس أو بالخيال أو بمقايسة العقل أو بالنور المحض كما سبق واللّه أعلم اه . ( القسم الثاني : من الخفيات التي تمتنع الأنبياء ) عليهم السّلام ( والصديقون ) ومن على قدمهم من الأولياء العارفين والعلماء الراسخين ( عن ذكرها ) وبيانها ( ما هو مفهوم في نفسه ) أي في حد ذاته ( لا يكل الفهم عنه ) ولا يقصر عن ادراكه ، ( ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ) بالافتتان في دينه ( ولا يضر بالأنبياء والصديقين ) لرسوخ قدمهم وعدم تزلزلهم