ولنرجع إلى الغرض ، وهو أن أحد الأقسام ما تكل الأفهام عن إدراكه ومن جملته الروح ومن جملته بعض صفات اللّه تعالى ، ولعل الإشارة إلى مثله في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن للّه سبحانه سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره » .
شرح
العالم الذي يحسن عشرة أنواع من العلوم لا يعرفه بالحقيقة تلميذه الذي لم يحصل إلا نوعا واحدا فضلا عن خادمه الذي لم يحصل شيئا من علومه ، بل الذي حصل علما واحدا فإنما عرف على التحقيق عشرة إذا ساواه في ذلك العلم حتى لم يقصر عنه ، فإن قصر عنه فليس يعرف بالحقيقة ما قصر عنه إلا بالاسم وإيهام الجملة ، وهو أنه يعرف أنه يعلم شيئا سوى ما علمه ، فكذلك فافهم تفاوت الخلق في معرفة اللّه تعالى ، فبقدر ما انكشف له من معلومات اللّه تعالى وعجائب مقدوراته وبدائع آياته في الدنيا والآخرة والملك والملكوت تزداد معرفتهم باللّه تعالى وتقرب معرفتهم من معرفته الحقيقية .
فإن قلت : فإذا لم يعرفوا حقيقة الذات واستحال معرفتها ، فهل عرفوا الأسماء والصفات معرفة تامة حقيقية ؟ قلنا : هيهات ذلك لا يعرفه بالكمال في الحقيقة إلا اللّه تعالى لأنا إذا علمنا ذاتا عالمة فقد علمنا شيئا مبهما لا ندري حقيقته ، لكن ندري أن له صفة العلم ، فإن كانت صفة العلم معلومة لنا حقيقة كان علمنا بأنه عالم أيضا علما تاما بحقيقة هذه الصفة وإلا فلا ، ولا يعرف أحد حقيقة علم اللّه تعالى إلا من له مثل علمه وليس ذلك له فلا يعرفه سواه تعالى ، وإنما يعرفه غيره بالتشبيه بعلم نفسه كما أوردناه من مثال التشبيه بالسكر ، وعلم اللّه تعالى لا يشبهه علم الخلق البتة فلا يكون معرفته به معرفة تامة حقيقية أصلا بل إيهامية تشبيهية .
( ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط ) فقد خضنا لجة بحر لا ساحل له ، وأمثال هذه الأسرار لا ينبغي أن تبذل بإيداعها في الكتب وإذا جاء هذا غرضا غير مقصود فلنكشف عنه ( ولنرجع إلى الغرض وهو أن أحد الأقسام ) المذكورة ( ما تكل الأفهام عن إدراكه ) ومعرفة حقيقته ( ومن جملته الروح ومن جملته بعض صفات اللّه تعالى ، ولعل الإشارة إلى مثله في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن للّه سبحانه سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره » ) وهكذا أورده المصنف في كتابه مشكاة الأنوار إلا أنه قال :
من نور وظلمة والباقي سواء . قال : وفي بعض الروايات سبعمائة ، وفي بعضها سبعين ألفا اه .
وفي كتاب الأسماء والصفات لأبي منصور التميمي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم وصف ربه عز وجل فقال :
حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركته وفي رواية دون اللّه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة اه .
وقال العراقي : أخرج أبو الشيخ بن حبان في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة : « بين اللّه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابا من نور » وإسناده ضعيف ، وفيه أيضا من